الباب الثاني: مكانة ومنزلة المرة في العصور التاريخية المختلفة.
(14) مكانة المرأة في القرون أو
العصور الوسطى في أوربا:
تعاملت أوروبا مع المرأة في العصور الوسطى ككائن منبوذ، فلقد اشتد سوء الظن بالمرأة في العصور الوسطى، وكُثر الخلاف حول خلقها
وطبيعتها، ونالت وذاقت كاسات الذل والهوان، ُفحرمت من الظهور في المجتمعات العامة،
وشاعت عادة أقفال العفة، وهي أقفال من حديد، رُكبت في أحزمة.
![]() |
| أشكال مختلفة من حزام العفة المخصص للنساء في العصور الوسطى |
وخُصصت لتلبسها النساء حول خصورهن، إذا غاب
عنهن أزواجهن في السفر، ثم تُغلق بمفاتيح، يُبقيها الزوج معه، لا تفارقه لحظة، بل
وصل الأمر في بعض المجتمعات، إلى درجة وضع قفل على فم المرأة، تغدو به وتروح، وقد
كان يوضع هذا النوع من الأقفال عند خروج المرأة من دارها، حتى لا يدور بينها وبين
الرجال حديث، تغويهم به إلى الرذيلة.
لقد كانت النساء في أوربا في نظر الكنيسة
متأخرات جاهلات يقفن عقبة في سبيل العلم والنور، وكانت الكتب الشرعية تضطرم بسخط
شديد على مجرد وجود النساء في العالم، وكان يُقال لهن: يجب أن يخجلن من أنهن نساء،
وأن يعشن في ندم متصل، جزاء ما جلبن على الأرض من لعنات. (1)
![]() |
| نجاسة الجسد |
نجاسة
المرأة:
فقد شاعت في تلك الفترة عقيدة الزهد والإيمان
بنجاسة الجسد، ونجاسة المرأة، وباءت المرأة بلعنة الخطيئة الأولى، فكان الابتعاد
عنها حسنة مأثورة، لمنْ لا تغلبه الضرورة، ومن بقايا هذه الغاشية في القرون الوسطى.
أنها شغلت بعض اللاهوتيين إلى القرن الخامس
الميلادي، فبحثوا بحثا جديا في جبلة المرأة، وتساءلوا في مجمع ماكون هل هي جثمان
بحت؟! أم هي جسد ذو روح؟! يُناط بها الخلاص والهلاك؟! وغلبت على آرائهم أنها خلو
من الروح الناجية، ولا استثناء لإحدى بنات حواء من هذه الوصمة، غير السيدة/
العذراء أم المسيح – عليها الرضوان –
في رومية اجتمع مجمع كبير وبحث في شؤون المرأة فقرر أنها كائن لا نفس
له، وأنها لن ترث الحياة الأخروية لهذه العلة ، وأنها رجس يجب أن لا تأكل اللحم،
وأن لا تضحك بل ولا أن تتكلم، وعليها أن تمضي أوقاتها في الصلاة والعبادة والخدمة.
![]() |
| هذا القناع أعد لتلبسة المرأة في بريطانيا في القرن السادس عشر |
![]() |
| لجام السليطة |
لجام السليطة:
وفي بدايات القانون الانكليزي غير المكتوب كانت ثمة تهمة تتعلق بسلاطة
اللسان، توجه للمرأة التي يعهد منها الفظاظة وكثرة الصخب، حيث كان القانون يعاقبها
بسبب الإزعاج العام. وفي العصور الوسطى كانت
العقوبة تتخذ أحياناً شكل « لجام السليطة »، وهو أداة تشبه القفص مصنوعة من المعدن
وتحيط برأس المرأة ولها لجام يدخل في فم المرأة ويحد من حركة لسانها.
وعلى الرغم من فعالية اللجام، إلا أنه اعتبر غير كاف في بعض الحالات، ففي
عام 1322م حدث شجار في مدينة دوي تنادى خلاله عمال تجمهروا في السوق للهجوم على
تجار حبوب كانوا يخزنون المؤن، وكان هناك امرأتان بين العمال الثمانية عشر الذين
عوقبوا. « وقد أُدينت المرأتان لأن صوتيهما كان مرتفعين بشكل خاص، وتم قطع
لسانيهما قبل أن تنفيا من المدينة مدى الحياة ».
![]() |
| هكذا كانت تُعامل المرأة في العصور الوسطى |
بيع الزوجة:
وكتب بلاكستون في شروحه على قوانين انجلترا
سنة 1765 م يقول: إن القيود التي ترزخ تحتها المرأة، يُراد بها في الغالب حمايتها
وخيرها، ذلك أن القانون الإنجليزي يؤثر المرأة بعطف شديد، ومع ذلك فإن هذه المرأة
التي أثرها القانون هذا الإيثار الشديد، حُرمتْ من كل حق مدني، وحيل بينها وبين
التعليم وكل شيء، ما عدا أحط موارد الكسب، ونزلت عن كل ثروتها عند
الزواج (2)
ورغم ذلك العطف الشديد الذي يزعمه بلاكستون:
فقد وقف الفلاح الإنجليزي توسون في أسواق بريطانيا، وأمسك بزوجته يعرضها للبيع،
لقد خدعتني هذه المرأة، تزوجتها لتكون سلواي، فإذا بها تنقلب فتصبح لعنة عليً من
السماء، وشيطانا رجيما، وباع الرجل زوجته بعشرين شلنا، وخرج الزوج من الغنيمة
مرتاح البال.
لقد كانت النساء تخضع تمامًا لأزواجهن بعد الزواج، وأصبح الزوج
والزوجة كيان قانوني واحد، وهو وضع قانوني معروف باسم «coverture».
فلا يمكن للمرأة المتزوجة –على سبيل المثال- أن تملك عقارًا لنفسها،
وكانوا في الواقع، يعتبرن أنفسهن ملكًا لأزواجهن، حتى وصل الأمر لحد بيع الزوج
لزوجته في مزادات علنية.(3)
لم يتضح متى بدأت هذه العادة الأشبه بالطقوس البدائية، من بيع زوجة
بالمزاد العلني لأول مرة، ولكن سجلات مكتوبة تشير إلى أنها كانت في نهاية القرن
السابع عشر حيث تُشير معظم التقارير، أنه كان يتم الإعلان عن البيع مقدمًا، ربما
عن طريق الإعلان في صحيفة محلية، ثم تأخذ الإجراءات شكل المزاد العلني، في كثير من
الأحيان في السوق المحلية، حيث يقوم الزوج بربط الزوجة بحبل حول عنقها، أو في
الذراع أو الخصر، ثم يصعد بها إلى درجة أعلى ليشاهدها جميع الحضور، ويجرى المزاد
حتى يتقدم زوج جديد لشرائها، وتتم بذلك عملية البيع الكامل.
![]() |
| رجل يعرض زوجته للبيع في مزاد علني والمشترون يعاينون البضاعة في بريطانيا |
كان بيع الزوجة حدثًا عاديًا خلال القرنين 18 و19، وأصبحت وسيلة الرجل
لينتهي من الزيجة غير المرضية، بدلا من الطلاق، لأن في معظم الحالات لم يكن الطلاق
خيارًا لعامة الناس، ففي عام 1690، كان القانون يطالب الزوج بتقديم طلب إلى
البرلمان للحصول على شهادة الطلاق، وكانت هذه العملية تستغرق وقت طويل، وتكاليف
باهظة.
ظل العصر الذهبي لبيع الزوجة بين 1780 و1850، عندما تم بيع نحو 300
زوجة، في برمنجهام بوسط انجلترا، وكان موقف السلطات سلبيًا، كما تجدر الإشارة إلى
أن بعض الزوجات في القرن الـتاسع عشر اعترض على البيع، لكن سجلات القرن الـثامن
عشر تشير إلى عدم وجود أي نوع من أنواع المقاومة من جانب النساء.
استمر بيع الزوجة في شكله حتى أوائل القرن الـعشرين، ففي عام 1913،
تقدمت امرأة بطلب في المحكمة بعد أن بيعت إلى واحد من زملاء زوجها، ليصدر بذلك
قانون يمنع هذه التجارة غير المشروعة في إنجلترا تحديدًا.
![]() |
| الفيلسوف الانجليزى هربرت سبنسر |
ويؤيد ذلك ما ذكره الفيلسوف الإنجليزي/ هربرت
سبنسر: من أن الزوجة كانت تُبا ع في إنجلترا خلال القرن الحادي عشر، وقد سنت
المحاكم الكنسية في هذا القرن قانونا، ينص على أن للزوج أن ينقل أو يٌعير زوجته
إلى رجل لمدة محددة ((4)
![]() |
| سيارة من طراز لاجوندا موديل 1936 |
بل إن الأمر وصل إلى أكثر من ذلك، ففي
أكسفورد وفي عام 1930 رأى زوج أن يستبدل زوجته بسيارة من طراز لاجوندا وتمت الصفة
بنجاح (5)
![]() |
| الفروسية |
عصر
الفروسية:
يقول العقاد عن تلك العصور الوسطى: والتي يسمونها بعصر الفروسية،
وأنها عصر المرأة الذهبي بين الأمم الأوربية، وأن الفرسان كانوا يفدون النساء
بالنفس والمال: فهذا العصر كما قال الدارسون له: كان عصر الحصان، قبل أن يكون عصر
المرأة، أو عصر السيدة المفداة.
ولقد أجمل جون لانجدون دافينر صاحب التاريخ
الموجز في النساء وضع المرأة في تلك العصور قائلا:
إن عصر الفروسية كان معروفا بما لوحظ فيه من
فقدان الشباب على الجملة الاهتمام بالجنس الآخر، ولعلنا نقل من الدهشة لذلك، لو
أننا وعينا كلمة الفروسية، وذكرنا أنها لم تكن ذات شأن بالسيدات، كما كانت ذات شأن
بالخيل، فقلما بلغ الاهتمام بالمرأة مبلغ الاهتمام بالحصان في عصر الفروسية، إلا
على اعتبار أنها عنوان ضيعة.
![]() |
| المرأة والحصان في عصر الفروسية |
ويذكر العقاد حادثتين توضحان مدى الإهمال، الذي كانت المرأة تلقاه في
عصرها الذهبي المزعوم فيقول: جلست ابنة أوسيس في نافذتها ذات يوم فعبر بها
الفتيان: جارات وجربرت.
فقال: جارات انظر انظر يا جربرت، وحق العذراء ما أجملها من فتاة؟!
فلم يزد صاحبه على أن قال: يا لهذا الجواد من مخلوق جميل، دون أن
يلتفت بوجهه.
وعاد صاحبه يقول مرة أخرى: ما أحسبني قط رأيت بهذه الملاحة، ما أجمل
هاتين العينين السوداوين!
وانطلقا وجربرت يقول ما أحسب أن جواد قط يماثل هذا الجواد.
وهي حادثة صغيرة، ولكنها واضحة الدلالة، إذ أن قلة الاهتمام تورث
الازدراء.
![]() |
| هكذا كانت تتحرك النساء في أوربا في العصور الوسطى |
ويروى أن الملكة بلانشفلور ذهبت إلى قرينها الملك
/ بيبين تسأله معونة أهل الورين، فأصغى إليها ثم استشاط غضبا، ولطمها على أنفها
بجمع يده، فسقطت منه أربع قطرات من الدم، وصاحت تقول: شكرا لك إن أرضاك هذا،
فأعطني من يدك لطمة أخرى حيث تشاء.
ويعلق العقاد قائلا: ولم تكن هذه حادثة
مفردة، لأن الكلمات على هذا النحو كثيرا ما تتكرر، كأنها صيغة محفوظة، وكأنما كانت
اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن تواجه زوجها بمشورة.
وكثيرا ما كانت المرأة تُزف إلى زوجها عفو
الساعة، وكثيرا ما كانت تُزف إلى رجل لم تره من قبل، إما لتسهيل المحالفات
الحربية، والمدد العسكري، أو لتسهيل صفقة الضياع، أترى أن سيدة القصر في عهد الفروسية،
أو عصرها الذهبي كما يدعون واحدة لها نصيب من الرحمة، أو ملاذا من حياة الشقاء؟!
أو صحبة قرين ليس لها بأهل؟!.
لقد تقدم الزمن في الغرب من العصور المظلمة
إلى عصر الفروسية إلى ما بعدها من العصر الحديث، ولم تبرح المرأة في منزلة مسفة،
لا تفضُل ما كانت عليه المرأة في الجاهلية العربية، وقد تفضُلها المرأة في تلك
الجاهلية، ففي سنة 1970 بيعت المرأة في أسواق انجلترا بشلنين لأنها ثقلت بتكاليفها
على الكنيسة التي تؤويها، كما بقيت المرأة إلى سنة 1882 محرومة من حقها الكامل في
ملك العقارات وحرية المقايضة(6)
ففي هذا العصر كان الرجل أو السيد يعيش في بيته الإقطاعي أو القلعة،وكانت القلاع الأولى
حصونًا بسيطة محاطة بأسيجة من جذوع الأشجار،أما الحصون التي شيدت، فيما بعد، فقد كانت ضخمة، وتم بناؤها من الحجر،وكان
السيد وفرسانه يتناولون طعامهم وشرابهم ويقامرون في القاعة الرئيسية للقلعة بجانب المواقد، وكان هؤلاء جميعًا يمارسون لعبة النرد
والشطرنج.
وكانت السيدة أو الليدي) زوجة السيد) تتدرب على الخياطة والغزل والنسج، والإشراف على خدم المنزل، وكانت تتمتع بحقوق قليلة،
وكان بإمكان السيد أن ينهي زواجه منها إذا لم تنجب له ولدًا واحدًا على الأقل، ولم يكن يرى السادة ولا السيدات أن التعليم أمرٌ ضروري،
وبالتالي فإن قلة قليلة منهم كانت تستطيع القراءة والكتابة.
هذه كانت مكانة ومنزلة المرأة في عصرها
الذهبي المزعوم، ذلك العصر الذي لم يصل الاهتمام بها فيه إلى نفس الدرجة التي يصل
فيها الاهتمام بالحصان أو حتى بالدجاجة.
![]() |
| المرأة لم تساوي الحمار في العصور الوسطى |
ففي يوغوسلافيا: استبدل فلاح زوجته بحمار،
وقال في ذلك: إنه يُحب الحمار ويُفضله على زوجته... وقد تمت هذه الصفقة العجيبة
عندما كان البائع والمشتري يحتسيان كأسا من الخمر
وأبدى البائع عدم ارتياحه لهذا الثمن، وقال:
إن الحمار لا يُعتبر ثمنا عادلا لزوجته، فاقترح المشتري أن يعطيه عنزا فوق الحمار،
وقبل الزوج الصفقة.
![]() |
| حمار + ماعز = إمرأة في العصور الوسطى |
وفي بلجراد بيعت النساء بالميزان، وكان الرطل الواحد يساوي بنسين، أو ثلاث بنسات، وكان ثمن الزوجة التي تزن مائة رطل أو مائة وعشرين رطلا لا يزيد عن 28 شلنا.
وفي ولاية نيفادا الأمريكية: منذ سبعة أعوام
اتفق رجلا على أن يستبدلا زوجتيهما، وأن تستولي كل زوجة على منزل الأخرى، بما فيه
من أثاث ومتاع وأطفال.
وهكذا كان منظرا مألوفا في أوربا في القرون
أو العصور الوسطى: أن يخرج الرجل ساحبا وراءه زوجته، وقد لف حول عنقها حبلا طويلا
يعرضها في مزاد علني للبيع (7)
وخير ما نختتم به حديثنا عن مكانة المرأة
ومنزلتها في بلاد الحضارة والنور في تلك العصور الوسطى، وما تلاها نصيحة برنارد
سيفر للأزواج حيث قال:
أوصيكم أيها الرجال ألا تضربوا زوجاتكم هن
حاملات، فإن ذلك أشد خطرا عليهن، ولست أعني بذلك أنكم لا تضربوهن، ولكن الذي أعنيه
أن تختاروا الوقت المناسب لهذا الضرب. ثم يستطرد قائلا: أنا أعرف أن رجالا يهتمون
بالدجاجة التي تضع البيضة كل يوم، أكثر من الاهتمام بزوجاتهم، فقد تُكسر الدجاجة
وعاء أو قدحا أحيانا، ولكن الرجل لا يضربها خشية فقد البيضة، وكان كثيرا من
الرجال، لا يطيقون سماع كلمة من زوجاتهم، وذلك أن الرجل إذا سمع كلمة من زوجته،
يرى أنه نابية، عمد من فوره إلى عصا وشرع يضربها، أما الدجاجة التي لا تنقطع عن –
الوقوقة – طوال النهار فإنه يصبر عليها من أجل البيضة(8)
![]() |
| المرأة والدجاجة في العصور الوسطى |
ما أجملها من مكانة، وما أرفعها من منزلة، تلك التي كانت تحتلها المرأة في بلاد الحضارة والنور في عصورهم الذهبية، كما يدعون ويزعمون، فهي رغم تلك المنزلة الرفيعة، والمكانة السامية التي كانت تحتلها، لم يبلغ بها الاهتمام مبلغ الاهتمام بالحصان، ولا حتى بالدجاجة، كما أن تلك المنزلة العالية، والمكانة المرتفعة القدر، لم تحول بين المرأة وبين بيعها في السوق بالرطل حسب وزنها، أو المقايضة عليها بسيارة أو بحمار وعنزا.
![]() |
| صورة لسوق أوربي من العصور الوسطى ويبدو تشابه ذي النساء مع زي المرأة في العصر الجاهلي |
(1)
تاريخ العالم:
أي ستراتش ج 1 ص 395
(2)
تاريخ
العالم: أي ستراتش ج 1 ص 399
(3)
.«Uncle John’s Bathroom Reader Plunges Into
History Again
(4)
مجلة الوعي
الإسلامي: عبد القادر السيسي: المستشرقون وتعدد الزوجات ص 74 العدد 74
(5)
الحب
والزواج: بولس باسيلي ص 326
(6)
عبقريات
العقاد: عبقرية محمد ص 75، 74
(7)
الحب
والزواج: بولس باسيلي ص 326
(8)
قصة الحضارة:
ول ديورانت ج 4 جزء 5 ص 102، 101
















