![]() |
| الزبون يفحص كل شيء في الفتاة |
رابعا:
مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(2)
المرأة نصف الرجل في:
(ج)
العتق والدية:
يتخذ بعض الجهلة من جعل عتق الجاريتين يعدُل
عتق الرجل، ومن جعل دية المرأة نصف دية الرجل، وسيلة للطعن في الدين الإسلامي،
فيجعلون من ذلك إهدارا لقيمة المرأة الإنسانية على يد الإسلام – المفترى عليه
قديما وحديثا –
وفي الواقع أن هذا الكلام يحتوي على الكثير
من المغالطات، التي لا تُجدي ولا تُفيد، فما يجعلونه نقصا في حق المرأة نراه نحن
تكريما لها، ومحافظة عليها، وصون لكرامتها، وحماية لقيمتها الإنسانية، التي كانت
هدف التشريع الإسلامي منذ انبعاث نوره ليُضئ الكثير من جوانب الظلام، التي كانت
تكتنف وتُحيط بحياة المرأة في العديد من بقاع المعمورة في ظل المعتقدات البالية
والديانات السابقة لظهوره.
ولنبدأ بالعتق:
روى الترمذي من حديث أبي أمامه عن النبي - صلى
الله عليه وسلم – قال: ( أيما امرئ مسلم أعتق مسلما كان فكاكه من النار يجزئ كل
عضو منه عضوا منه وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ
كل عضو منهما عضوا منه )
وفي مسند الإمام أحمد من حديث مرة بن كعب
السلمي عن النبي - صلى الله عليه وسلم – ( أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه من
النار يجزئ بكل عضو من أعضائه عضوا من أعضائه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة
كانت فكاكها من النار يجزئ بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها) رواه أبو داود في
السنن
فلقد جعل التشريع الإسلامي عتق الجاريتين
يعدُل عتق الرجل في الأجر والثواب، وليس في ذلك انتقاصا، أو امتعاضا للمرأة، بل في
ذلك تكريما لها كيف ؟!
فالمرأة ضعيفة، والسيد يستمتع من جاريته أو
أمته بخدمتها و بضعفها، أو بالتصرف فيها كيف يشاء، والتشريع الإسلامي يتشوق إلى فك
الرقاب، ويحرص كثيرا على عتق النساء رحمة بهن أولا، ونظرا لمتابعة الأولاد
لأمهاتهم في الرق والحرية، وبذلك تخلُص المسكينة من تبعات الرق، ومن تحكم المُلاك
فيها وفي مصيرها، لذلك جعل عتق المرأتين بعتق رجل واحد، وذلك في باب التبرعات
وابتغاء الثواب من عند – الله تعالى – في أن يفك رقبته من النار، ولا ينال المعتق
ذلك إلا بعتق امرأتين وفك رقبتيهما من ذلك العبودية.
وبذلك يتضح الهدف الذي من أجله جعل التشريع
الإسلامي عتق امرأتين يعدُل عتق رجل في الثواب والنجاة من النار، وذلك ليدفع
الرجال إلى الإكثار من عتق النساء، إذا رغبوا في النجاة من النار، وليس في ذلك ما
يقلل من كرامة وإنسانية المرأة كما ذهب أصحاب الزعم الباطل من الحاقدين على
الإسلام.
أختاه: لو كانت قيمة الأنثى الإنسانية أقل من
قيمة الذكر لما كان الذكر يقتل بالأنثى إذا قتلها، إلا أن الأمر الإلهي به حكمة
ندركها إذا ما تفكرنا قليلاً :
فلا شك في أن الرجل أقوى وأشد من المرأة، فهو
أقدر على العمل الشاق الذي يطلبه منه سيده، بينما المرأة لا تستطيع ذلك، والإسلام
قد حرم تكليف المماليك بما لا يطيقون.
فلما كانت طاقة المرأة أنقص من طاقة الرجل وأقل
قدره على العمل كان التفريط في المرأة أسهل وأقل مشقة على السيد، وبالطبع الذي
يقوم بأي عبادة يترتب عليها مشقة زائدة يضاعف له الأجر.
كالذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق يكن له أجران،
وهكذا فكان لابد من مضاعفة الأجر عند عتق الرجل لأنه أشق على السيد من عتق المرأة،
ومما يؤكد ما ذكرنا أن ثواب المرأة إذا أعتقت امرأة، هو نفس ثواب الرجل
إذا أعتق رجلاً.
أما الدية:
يقول الدكتور عبد الرحمن عميرة عميد كلية أصول
الدين الأسبق بجامعة الأزهر إن الدية شرعا هي المال الواجب في النفس أو فيما
دونها، والمقصود بها المال الذي يدفع بدل النفس المقتولة حتى يسقط القصاص عن
الجاني بأسبابه، وقد يسمى أرش ما دون النفس، والأصل في وجوبها قوله تعالى: ( وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا
خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ
إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ) (1)
فدية المرأة إذا ما قُتلت عمدا أو خطئا خمسون
من الإبل، وقيمتها مغلظة ومخففة، وليس في ذلك انتقاصا لقدر أو إنسانية المرأة، كما
يزعم البعض من جهلة الحاقدين على الإسلام، فإنما جُعلت دية المرأة نصف دية الرجل،
لترغيب أهلها في القصاص من القاتل، فلو كانت ديتها مثل دية الرجل، دفع ذلك أهلها
إلى قبول المائة ناقة من الإبل لكثرتها، وتخلوا عن القصاص من القاتل، وأصدق دليل
على ذلك، أنه إذا رفض أهلها الحصول على الخمسون ناقة كدية، وأرادوا القصاص من
القاتل، لحصل لهم ما أرادوا، حتى ولو كان القاتل سيدا مطاعا أو جبارا عنيدا، فهنا
لو كانت الدية مائة ناقة، أو قيمتها لطمع فيها الوارث الفقير، وتساهل الغني
القاتل.
ولحسم مادة الشر، وصون النفس عن القتل، كان
للمرأة نصف دية الرجل أو القصاص من القاتل قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (2)
قال الإمام القرطبي: فيه أربع مسائل:
الأول:
قوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ }
هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدّم. ومعناه: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ رواه سفيان
عن السُّدّي عن أبي مالك.
والمعنى: أن القصاص إذا أقيم وتحقّق الحكم
فيه أزدجر منْ يريد قتل آخر، مخافةَ أن يقتص منه فحييا بذلك معاً، وكانت العرب إذا
قتل الرجل الآخر حَمِيَ قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى قتل العدد الكثير؛
فلما شرع الله القصاص قَنِع الكل به وتركوا الاقتتال؛ فلهم في ذلك حياة
الثانية:
اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن
يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض؛ وإنما ذلك للسلطان
أو منْ نصبه السلطان لذلك؛ ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض
الثالثة:
وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه
إن تعدّى على أحدٍ من رعيّته، إذ هو واحد منهم؛ وإنما له مَزِيّة النظر لهم
كالوصيّ والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامّة فرق في أحكام الله
عز وجل؛ لقوله جل ذكره: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } ، وثبت
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً قطع يده: لئن كنت
صادقاً لأقيدنّك منه.
وروى النّسائي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال:
" بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقسم شيئاً إذ أكبّ عليه رجل، فطعنه
رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بعُرجون كان معه، فصاح الرجل؛ فقال له رسول الله -
صلى الله عليه وسلم: «تعال فاستقد».
قال: بل عفوت يا رسول الله "
وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب
عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أَلاَ مَنْ ظلمه أميره فليرفع ذلك إليّ أقيده
منه. فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدّب رجل منا رجلاً من أهل
رعيّته لتقصنّه منه؟
قال: كيف لا أقصّه منه وقد رأيت رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -يقصّ من نفسه!.
ولفظ أبي داود السّجستانيّ عنه قال: خطبنا
عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث عُمّالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم؛
فمنْ فعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصّه منه. وذكر الحديث بمعناه
الرابعة:
قوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
تقدم معناه. والمراد هنا «تتقون» القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعيةً
لأنواع التقوى في غير ذلك؛ فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة.
وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد اللَّه
الرَّبَعِي «ولكم في القَصَص حياة» قال النحاس: قراءة أبي الجوزاء شاذّة. قال
غيره: يحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص. وقيل: أراد بالقَصَص القرآن؛ أي لكم في كتاب
الله الذي شرع فيه القصص حياة؛ أي نجاة. (3)
عن
أبي شريح الخزاعي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " منْ أصيب بقتل أو
خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن
أراد الرابعة( التعدي بعد قبول الدية ) فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك، فله
نار جهنم خالداً فيها " رواه أحمد.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن
سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا أعافي رجلاً قتل بعد
أخذ الدية " يعني: لا أقبل منه الدية، بل أقتله. (4)
وهناك أمر آخر راعاه التشريع الإسلامي حين
جعل دية المرأة نصف دية الرجل، وهو مقدار الضرر الواقع على كل من ورثة الرجل
المقتول وورثة المرأة المقتولة فالدية ليست ثمنا لرجل أو المرأة ولكنها تعويض عن
الضرر الواقع عن القتل .
و ليس في هذا ظلم للمرأة، والذين يريدوا أن يسووا
هم الذي ظلموا الرجل وظلموا المرأة؛ لأنهم ظنوا أن الدية ثمن للإنسان، أبداً الدية
ليست ثمناً للرجل ولا ثمناً للمرأة إنما هي تعويض لمنْ تضرر من الأحياء، أما
الإنسان سواء رجل أو امرأة فلا يقدر بثمن وليست خمسين من الإبل أو مائة من الإبل
هي قيمته، ولذلك الذين يريدون أن يسووا هم جعلوا الدية قيمة، كأن قيمة الرجل مثل
قيمة المرأة، في حال القتل لو أن رجلاً قتل امرأة عمداً يقتل بها قصاصاً ساوى
الشرع بين الرجل والمرأة؛ لأنها نفس، لكن في حالة التعويض لمنْ تضرروا بموت الرجل
أو بالمرأة قدر حقهم بمقدار ضررهم، فالضرر الذي يتضرره ورثة الرجل لا ريب أنه أشد
من الضرر الذي يلحق بورثة الأنثى، فقدر لهؤلاء مائة من الإبل الذين هم ورثة الرجل،
وقدر الشرع لورثة الأنثى خمسين من الإبل على النصف بحسب نوع الدية.
![]() |
| الرق في المسيحية |
يقول الدكتور مصطفى الزرقا ـ رحمه الله ـ (من كبار علماء سوريا) :- إن جمهور الصحابة والتابعين وعلماء
الأمة من أهل الحديث والفقه مجمعون على أن دية المرأة إذا قُتلت بخطأ هي نصف دية
الرجل.
ومستندهم جميعا في ذلك حديث معاذ بن جبل (رضي
الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "دية المرأة نصف دية
الرجل".
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: إنهم اتفقوا
في دية المرأة أنها على النصف من دية الرجل في النفس فقط، واختلفوا فيما دون
النفس.
أقول، وقد استقر هذا قاعدةً أساسية في باب
الديات من كتب المذاهب الفقهية الأربعة: إن دية المرأة في النفس إذا قُتلت بخطأ هي
نصف دية الرجل.
هذا وقد أصبحت هذه القضية، أعني نقصان دية
المرأة عن دية الرجل بقدر النصف في حكم الشريعة الإسلامية، تثير في عصرنا الحاضر
نوعًا من الحساسية في الأوساط التي ترفع شعار التقدمية، بعد أن أصبحت المرأة تزاحم
الرجل بمنكب ضخم في مختلف المجالات والميادين: في الجامعات طالبة وأستاذة، وفي
جميع الوظائف العامة في الدولة، وفي المحاماة القانونية أمام القضاء، وفي المجالس
النيابية والوزارات، بل في رئاسة الحكومة، وفي رئاسة الدولة، وكل ميدان آخر.
وهنا
يتساءلون: هل المرأة في نظر الإسلام نصف إنسان حتى تكون ديتها نصف دية الرجل، ونحن
في القرن العشرين؟! وقد خصصت المنظمات الدولية عاما خاصا أسمته "عام
المرأة"؛ تقديرا لمكانتها، وإنصافا لها.
وهكذا يتجاهلون كل ما جاء به الإسلام من
إنصاف للمرأة، ومن إحياء لحقوقها التي كانت قبله مُماتة، ومن حفاظ على كرامتها،
وحماية لها، ويستنكرون أن تكون ديتها نصف دية الرجل.
وبهذه المناسبة أذكر أنه: لما أراد الرئيس
الباكستاني "السيد ضياء الحق" (رحمه الله) إصدار قانون للقصاص للديات،
وفقًا لأحكام الإسلام، ووضع مشروع قانون، جاء فيه أن دية المرأة نصف دية الرجل،
قام في وجهه مئات التقدميين من بعض وزرائه، ومن رجال القانون، والجامعيين،
والقيادات النسائية..
فاستدعاني مع الدكتور "محمد معروف
الدواليبي"، فذهبنا، واجتمعنا بكل فئة منهم في يوم مستقل بهم، وتناقشنا في
ضوء نصوص الشريعة، وواقع الحياة والمعقول، فاقتنعوا جميعا بحكمة ما جاءت به
الشريعة الإسلامية وبعدالتها في ذلك.
وكانت القيادات النسائية نفسها في طليعة
المقتنعين بعد أن أوضحنا لهم وأثبتنا النقاط التالية التي كانت غائبة عن أذهانهم.
النقطة
الأولى: أن قضية الدية المالية ليست مشروعة في القتل
الإجرامي المتعمد، إنما هي محصورة في قتل الخطأ الذي انتفت منه فكرة التعدي على
الروح الإنسانية.
وقد يكون الفاعل المخطئ أكثر ألمًا وأسفًا
لما حصل منه دون قصد إجرامي. فقد تقتل الأم طفلها الوحيد إذا غلبها النوم، وهو
بجانبها ترضعه، فانقلبت عليه واختنق، ثم تقضي عمرها حزينة عليه.
النقطة
الثانية: أن الدية المشروعة ليست عقوبة زاجرة،
إنما هي تعويض عن الضرر المادي الذي لحق بآل القتيل؛ لأن المخطئ هو الأوْلَى بأن
يتحمل هذا التعويض، ولو كان حَسَن النية.
ومبدأ التعويض هذا تقوم عليه نظم العالم
المتمدن أجمع، في كل ضرر في الأنفس أو الأموال نشأ من خطأ غير مقصود.
ومن قواعد هذا المبدأ ومسلماته: أن التعويض
في كل فعل ضار يجب أن يكون بقدر الضرر المباشر الحاصل للمضرور.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، خلال مناقشاتنا في
باكستان حول مشروع قانون القصاص والديات إذ ذاك، طرحنا على جميع الفئات السؤال
التالي: هل في واقع الحياة الاجتماعية والاقتصادية في جميع البلاد حتى في أمريكا
وأوروبا، في الحالات العادية بوجه عام، من الناحية المادية، يكون ضرر الأسرة بفقد
ربها هو الضرر الأكبر، أو بفقد ربتها؟!
فكان الجواب من جميع الفئات أن فقدان رب
الأسرة هو الأعظم ضررًا عليها، حتى في البلاد التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في
جميع الحقوق والميادين؛ ذلك لأن النشاط العملي والاكتسابي من رب الأسرة، ومردودة
عليها يبقى هو الشيء الأساسي وعماد الخيمة في حياة الأسرة.
قلنا لهم عندئذ: إن الإسلام قد قدّر بلسان
رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا التفاوت بالنصف والضعف، فجعل دية المرأة على
النصف من دية الرجل فماذا في ذلك؟!
فخطأ منْ يتوهمون أن في ذلك انتقاصًا من
القيمة الإنسانية للمرأة، وإنما نشأ من تصورهم وتوهمهم أن الدية هي جزاء رادع
لمجرم.
وهذا غلط وخروج بالدية عن طبيعتها وهدفها في
قانون الشريعة الإسلامية، بل في جميع الشرائع الوضعية أيضا.
فمن أول شرائط الجريمة بمفهومها القانوني
والاجتماعي: القصد الإجرامي. وإن الخطأ مفروض في معناه عكسُ ذلك تماما، وهو انتفاء
القصد الإجرامي.
النقطة
الثالثة: أن الميزان الصحيح لتقويم قيمة المرأة
من الناحية الإنسانية إنما يتجلى فيما يرتبه النظام من عقوبة زاجرة على القصد
الإجرامي في القتل العمد العدواني.
وأن الإسلام قد سوى في هذه الناحية بين الرجل
والمرأة حين أوجب أن يقتل الرجل بالمرأة قصاصا، كما تقتل المرأة بالرجل.
أما حالة الخطأ البريء، وما يجب فيه من تعويض
عن الضرر المادي الحاصل منه، فليست هي ميزان القيمة الإنسانية.
على أنه، نظرًا إلى أن الخطأ في العادة غالبا
ما يلابسه شيء من قلة الاحتراس والاحتياط، ولو انتفى منه القصد الإجرامي، شرع
الإسلام، إلى جانب الدية في القتل الخطأ، كفارة ذات مشقة؛ لتكون تطهيرا دينيا
للمخطئ، ولتشد انتباهه ويقظته أكثر إلى جانب الحيطة والحذرة.
هذا، وقد ناقشني أحد العلماء الأفاضل منتقدا
قولي بأن الدية في جناية الخطأ هي مجرد تعويض عن الضرر الذي ألحقه الجاني بالضحية
وأسرته، وليست عقوبة، واحتج بأن الدية تُفرض شرعًا على عاقلة الجاني.
فأجبته بأن هذا حجة لي حاسمة، وليس دليلا على
أنها عقوبة؛ ذلك لأن العقوبات في الإسلام تخضع لقاعدة عامة خالدة قررها القرآن
الكريم بقوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى".
فلو كانت الدية عقوبة لَمَا جاز فرضها على
عاقلة الجاني، وإلا صدق عليها قول شيخنا أبي الطيب المتنبي:
وحلَّ بغير جارمه العذاب
وجُرمٍ جرّه سفهاء قوم
ولكن لما كانت الدية تعويضًا عن الضرر الذي
ألحقه الجاني المخطئ غير المتعمد بغيره، وكانت الدية قد تبهظه، وهو بريء النية في
خطئه، ليس لديه القصد إلى الإجرام العدواني، كان مستحقًا للمعاونة على مصيبته،
فجعلت على عاقلته معاونة له فيها.
ولذلك أعلن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن
العواقل لا تعقل العمد؛ لأن المتعدي المتعمد بالقتل قد رتب الإسلام له القصاص
عقوبة زاجرة رادعة، وليس الدية.(5)
أختاه:
أن الدية ليست بأي حال من الأحوال تعويضاً عن حياة الشخص ، أو مقابلاً لقيمته
الإنسانية، وإنما هي نوعا من التعويض لأهله عن فقده كعامل منتج ، بصورة تمنحهم الفرصة
لتجاوز العجز المادي الذي قد يطرأ عليهم بعد فقده، ولأن النظام الإسلامي يعتبر
الرجل في العادة هو الذي يباشر العمل ليوفر دخل الأسرة ، كان من المناسب أن تدفع
الدية كاملة تعويضا عن كم الضرر الذي لحق بأهل بيته نتيجة لفقده، بينما المرأة تقوم
بالدعم والتنشئة للأطفال وبأعمال غير مباشرة وتتركز فيما قبل العمل وغير مكلفة
بشيء من الإنفاق ، لذلك فإن خسارتها هي خسارة أقل على مستوى المالي، فكانت ديتها
في القتل الخطأ نصف دية الرجل لأن الضرر الواقع على أهل بيتها من الناحية المالية
أقل، ولا يدل ذلك أبدا على أن ذلك قيمتها أو قيمة الرجل، وإنما القيمة المقصودة
هنا هي قيمة الضرر الواقع من فقد رب الأسرة أو ربة الأسرة، وليس في ذلك علاقة بجنس
الذكر ولا بجنس الأنثى.
الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف
المصرية لشؤون الدعوة سابقا:
يؤكد أن مسألة الدية من الجزئيات التي يساء فهمها ويتخذها البعض وسيلة
للطعن في الإسلام والادعاء بأنه أباح ظلم النساء وما لهن من حقوق بقبول وضعهن في
مكانة ومنزلة تجعلهن من الناحية الإنسانية أقل قيمة أو من نوع أو مستوى آخر غير
مستوى الرجال.
وقال إن التشريع القرآني يتضمن العديد من الأوامر التي تحض على تكريم
المرأة وتؤكد مبدأ المساواة وفضلها وتوقيرها وعلو شأنها، فهي تتساوى مع الرجل في
أصل النشأة والحقوق الإنسانية، والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال في مرض موته:
«اتقوا الله في النساء»، ويخاف من التقصير في حق المرأة، فيقول: «استوصوا بالنساء
خيرا».
وشدد على أن القول بأن أحكام دية المرأة ليست انتقاصا للمرأة وليس
معناها أو مقاصدها التحقير من مكانتها وقيمتها أو أنها أهون في الإسلام من الرجل
ولا تساويه فهذا فهم مغلوط لا يعبر عن حقائق الإسلام وقيمه، ومسألة دية المرأة
ينظر إليها من زاوية المسؤوليات، فالسبب في هذا النقص يرجع إلى أن الرجل ألزمه
الشارع بالتزامات مالية عليه لغيره، ولم يلزم المرأة فاختلفا في الالتزام، واختلفا
تبعا لذلك في العوض المدفوع لمن يخلفهما بعد وفاتهما.
ويضيف أن الأولاد إذا مات والدهم تأثروا ماديا لموت الذي ينفق عليهم،
فاحتاجوا إلى التعويض عن هذه الخسارة، أما المرأة فليست ملزمة بالنفقة على
أولادها. فإذا ماتت لم يفتقد أولادها بموتها نفقة أو مالا، والذي ينفق عليهم موجود
وهو الأب، فكانت حاجتهم المالية لم تختل حتى يحتاجوا إلى تعويض.
وقال إن تأسيس مقدار الدية لم ينظر فيه إلى الميت بذاته، وإنما نظر
إلى الالتزامات التي ألزمه الشارع بها، فإن كان عليه التزامات مالية لآخرين ألزمه
بها الشارع، كالنفقة على أولاده وزوجته، فديته تبعا لذلك كبيرة، وإن كان ليس عليه
التزامات مالية حتى لنفسه كالمرأة، فديتها أقل. وهذا التشريع جاء بناء على الأغلب
الأعم في حياة الناس، وليس بناء على حالات فردية قد لا تجري على هذه القاعدة.(6)
وخير ما نختم به كلام قال ابن القيم - رحمه الله - في إعلام الموقعين:
وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسده
المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل
الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين لم تكن قيمتهما
مع ذلك متساوية وهي الدية، فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال،
فاقتضت حكمة الشارع أن يجعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما.
![]() |
| تجارة الرقيق في روما قديما |
المراجع:
(1)
سورة النساء-
92 – 93 –
(2)
سورة البقرة
-179-
(3)
تفسير الجامع
لأحكام القرآن/ القرطبي.
(4)
تفسير القرآن
الكريم/ ابن كثير.
(5)
هل دية
المرأة على النصف من دية الرجل : ملتقى أهل الحديث.
(6)
دية المرأة
نصف الرجل بسبب اختلاف المسؤوليات والتكاليف: صحيفة الاتحاد: 1 سبتمبر 2011















