الجمعة، 28 سبتمبر 2018

(ج) العتق والدية:(2) المرأة نصف الرجل في:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:

الزبون يفحص كل شيء في الفتاة

رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(2) المرأة نصف الرجل في:
(ج) العتق والدية:
يتخذ بعض الجهلة من جعل عتق الجاريتين يعدُل عتق الرجل، ومن جعل دية المرأة نصف دية الرجل، وسيلة للطعن في الدين الإسلامي، فيجعلون من ذلك إهدارا لقيمة المرأة الإنسانية على يد الإسلام – المفترى عليه قديما وحديثا –
وفي الواقع أن هذا الكلام يحتوي على الكثير من المغالطات، التي لا تُجدي ولا تُفيد، فما يجعلونه نقصا في حق المرأة نراه نحن تكريما لها، ومحافظة عليها، وصون لكرامتها، وحماية لقيمتها الإنسانية، التي كانت هدف التشريع الإسلامي منذ انبعاث نوره ليُضئ الكثير من جوانب الظلام، التي كانت تكتنف وتُحيط بحياة المرأة في العديد من بقاع المعمورة في ظل المعتقدات البالية والديانات السابقة لظهوره.
ولنبدأ بالعتق:
روى الترمذي من حديث أبي أمامه عن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال: ( أيما امرئ مسلم أعتق مسلما كان فكاكه من النار يجزئ كل عضو منه عضوا منه وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضو منهما عضوا منه )
وفي مسند الإمام أحمد من حديث مرة بن كعب السلمي عن النبي - صلى الله عليه وسلم – ( أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان فكاكه من النار يجزئ بكل عضو من أعضائه عضوا من أعضائه وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزئ بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها) رواه أبو داود في السنن
فلقد جعل التشريع الإسلامي عتق الجاريتين يعدُل عتق الرجل في الأجر والثواب، وليس في ذلك انتقاصا، أو امتعاضا للمرأة، بل في ذلك تكريما لها  كيف ؟!
فالمرأة ضعيفة، والسيد يستمتع من جاريته أو أمته بخدمتها و بضعفها، أو بالتصرف فيها كيف يشاء، والتشريع الإسلامي يتشوق إلى فك الرقاب، ويحرص كثيرا على عتق النساء رحمة بهن أولا، ونظرا لمتابعة الأولاد لأمهاتهم في الرق والحرية، وبذلك تخلُص المسكينة من تبعات الرق، ومن تحكم المُلاك فيها وفي مصيرها، لذلك جعل عتق المرأتين بعتق رجل واحد، وذلك في باب التبرعات وابتغاء الثواب من عند – الله تعالى – في أن يفك رقبته من النار، ولا ينال المعتق ذلك إلا بعتق امرأتين وفك رقبتيهما من ذلك العبودية.
وبذلك يتضح الهدف الذي من أجله جعل التشريع الإسلامي عتق امرأتين يعدُل عتق رجل في الثواب والنجاة من النار، وذلك ليدفع الرجال إلى الإكثار من عتق النساء، إذا رغبوا في النجاة من النار، وليس في ذلك ما يقلل من كرامة وإنسانية المرأة كما ذهب أصحاب الزعم الباطل من الحاقدين على الإسلام.
أختاه: لو كانت قيمة الأنثى الإنسانية أقل من قيمة الذكر لما كان الذكر يقتل بالأنثى إذا قتلها، إلا أن الأمر الإلهي به حكمة ندركها إذا ما تفكرنا قليلاً :
فلا شك في أن الرجل أقوى وأشد من المرأة، فهو أقدر على العمل الشاق الذي يطلبه منه سيده، بينما المرأة لا تستطيع ذلك، والإسلام قد حرم تكليف المماليك بما لا يطيقون.
فلما كانت طاقة المرأة أنقص من طاقة الرجل وأقل قدره على العمل كان التفريط في المرأة أسهل وأقل مشقة على السيد، وبالطبع الذي يقوم بأي عبادة يترتب عليها مشقة زائدة يضاعف له الأجر.
كالذي يقرأ القرآن وهو عليه شاق يكن له أجران، وهكذا فكان لابد من مضاعفة الأجر عند عتق الرجل لأنه أشق على السيد من عتق المرأة، ومما يؤكد ما ذكرنا أن ثواب المرأة إذا أعتقت امرأة، هو نفس ثواب الرجل إذا أعتق رجلاً.
أما الدية:
يقول الدكتور عبد الرحمن عميرة عميد كلية أصول الدين الأسبق بجامعة الأزهر إن الدية شرعا هي المال الواجب في النفس أو فيما دونها، والمقصود بها المال الذي يدفع بدل النفس المقتولة حتى يسقط القصاص عن الجاني بأسبابه، وقد يسمى أرش ما دون النفس، والأصل في وجوبها قوله تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) ) (1)
فدية المرأة إذا ما قُتلت عمدا أو خطئا خمسون من الإبل، وقيمتها مغلظة ومخففة، وليس في ذلك انتقاصا لقدر أو إنسانية المرأة، كما يزعم البعض من جهلة الحاقدين على الإسلام، فإنما جُعلت دية المرأة نصف دية الرجل، لترغيب أهلها في القصاص من القاتل، فلو كانت ديتها مثل دية الرجل، دفع ذلك أهلها إلى قبول المائة ناقة من الإبل لكثرتها، وتخلوا عن القصاص من القاتل، وأصدق دليل على ذلك، أنه إذا رفض أهلها الحصول على الخمسون ناقة كدية، وأرادوا القصاص من القاتل، لحصل لهم ما أرادوا، حتى ولو كان القاتل سيدا مطاعا أو جبارا عنيدا، فهنا لو كانت الدية مائة ناقة، أو قيمتها لطمع فيها الوارث الفقير، وتساهل الغني القاتل.
ولحسم مادة الشر، وصون النفس عن القتل، كان للمرأة نصف دية الرجل أو القصاص من القاتل قال تعالى:  {وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (2)
قال الإمام القرطبي: فيه أربع مسائل:
الأول: قوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ } هذا من الكلام البليغ الوجيز كما تقدّم. ومعناه: لا يقتل بعضكم بعضاً؛ رواه سفيان عن السُّدّي عن أبي مالك.
والمعنى: أن القصاص إذا أقيم وتحقّق الحكم فيه أزدجر منْ يريد قتل آخر، مخافةَ أن يقتص منه فحييا بذلك معاً، وكانت العرب إذا قتل الرجل الآخر حَمِيَ قبيلاهما وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى قتل العدد الكثير؛ فلما شرع الله القصاص قَنِع الكل به وتركوا الاقتتال؛ فلهم في ذلك حياة
الثانية: اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لأحد أن يقتص من أحد حقه دون السلطان، وليس للناس أن يقتص بعضهم من بعض؛ وإنما ذلك للسلطان أو منْ نصبه السلطان لذلك؛ ولهذا جعل الله السلطان ليقبض أيدي الناس بعضهم عن بعض
الثالثة: وأجمع العلماء على أن على السلطان أن يقتص من نفسه إن تعدّى على أحدٍ من رعيّته، إذ هو واحد منهم؛ وإنما له مَزِيّة النظر لهم كالوصيّ والوكيل، وذلك لا يمنع القصاص، وليس بينهم وبين العامّة فرق في أحكام الله عز وجل؛ لقوله جل ذكره: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى } ، وثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه أن عاملاً قطع يده: لئن كنت صادقاً لأقيدنّك منه.
وروى النّسائي عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقسم شيئاً إذ أكبّ عليه رجل، فطعنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بعُرجون كان معه، فصاح الرجل؛ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تعال فاستقد».
قال: بل عفوت يا رسول الله "
وروى أبو داود الطيالسي عن أبي فراس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أَلاَ مَنْ ظلمه أميره فليرفع ذلك إليّ أقيده منه. فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، لئن أدّب رجل منا رجلاً من أهل رعيّته لتقصنّه منه؟
قال: كيف لا أقصّه منه وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -يقصّ من نفسه!.
ولفظ أبي داود السّجستانيّ عنه قال: خطبنا عمر بن الخطاب فقال: إني لم أبعث عُمّالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم؛ فمنْ فعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصّه منه. وذكر الحديث بمعناه
الرابعة: قوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تقدم معناه. والمراد هنا «تتقون» القتل فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعيةً لأنواع التقوى في غير ذلك؛ فإن الله يثيب بالطاعة على الطاعة.
وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد اللَّه الرَّبَعِي «ولكم في القَصَص حياة» قال النحاس: قراءة أبي الجوزاء شاذّة. قال غيره: يحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص. وقيل: أراد بالقَصَص القرآن؛ أي لكم في كتاب الله الذي شرع فيه القصص حياة؛ أي نجاة. (3)
 عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " منْ أصيب بقتل أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة( التعدي بعد قبول الدية ) فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك، فله نار جهنم خالداً فيها " رواه أحمد.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية " يعني: لا أقبل منه الدية، بل أقتله. (4)
وهناك أمر آخر راعاه التشريع الإسلامي حين جعل دية المرأة نصف دية الرجل، وهو مقدار الضرر الواقع على كل من ورثة الرجل المقتول وورثة المرأة المقتولة فالدية ليست ثمنا لرجل أو المرأة ولكنها تعويض عن الضرر الواقع عن القتل .
و ليس في هذا ظلم للمرأة، والذين يريدوا أن يسووا هم الذي ظلموا الرجل وظلموا المرأة؛ لأنهم ظنوا أن الدية ثمن للإنسان، أبداً الدية ليست ثمناً للرجل ولا ثمناً للمرأة إنما هي تعويض لمنْ تضرر من الأحياء، أما الإنسان سواء رجل أو امرأة فلا يقدر بثمن وليست خمسين من الإبل أو مائة من الإبل هي قيمته، ولذلك الذين يريدون أن يسووا هم جعلوا الدية قيمة، كأن قيمة الرجل مثل قيمة المرأة، في حال القتل لو أن رجلاً قتل امرأة عمداً يقتل بها قصاصاً ساوى الشرع بين الرجل والمرأة؛ لأنها نفس، لكن في حالة التعويض لمنْ تضرروا بموت الرجل أو بالمرأة قدر حقهم بمقدار ضررهم، فالضرر الذي يتضرره ورثة الرجل لا ريب أنه أشد من الضرر الذي يلحق بورثة الأنثى، فقدر لهؤلاء مائة من الإبل الذين هم ورثة الرجل، وقدر الشرع لورثة الأنثى خمسين من الإبل على النصف بحسب نوع الدية.
الرق في المسيحية
يقول الدكتور مصطفى الزرقا ـ رحمه الله ـ (من كبار علماء سوريا) :- إن جمهور الصحابة والتابعين وعلماء الأمة من أهل الحديث والفقه مجمعون على أن دية المرأة إذا قُتلت بخطأ هي نصف دية الرجل.
ومستندهم جميعا في ذلك حديث معاذ بن جبل (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "دية المرأة نصف دية الرجل".
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: إنهم اتفقوا في دية المرأة أنها على النصف من دية الرجل في النفس فقط، واختلفوا فيما دون النفس.
أقول، وقد استقر هذا قاعدةً أساسية في باب الديات من كتب المذاهب الفقهية الأربعة: إن دية المرأة في النفس إذا قُتلت بخطأ هي نصف دية الرجل.
هذا وقد أصبحت هذه القضية، أعني نقصان دية المرأة عن دية الرجل بقدر النصف في حكم الشريعة الإسلامية، تثير في عصرنا الحاضر نوعًا من الحساسية في الأوساط التي ترفع شعار التقدمية، بعد أن أصبحت المرأة تزاحم الرجل بمنكب ضخم في مختلف المجالات والميادين: في الجامعات طالبة وأستاذة، وفي جميع الوظائف العامة في الدولة، وفي المحاماة القانونية أمام القضاء، وفي المجالس النيابية والوزارات، بل في رئاسة الحكومة، وفي رئاسة الدولة، وكل ميدان آخر.
 وهنا يتساءلون: هل المرأة في نظر الإسلام نصف إنسان حتى تكون ديتها نصف دية الرجل، ونحن في القرن العشرين؟! وقد خصصت المنظمات الدولية عاما خاصا أسمته "عام المرأة"؛ تقديرا لمكانتها، وإنصافا لها.
وهكذا يتجاهلون كل ما جاء به الإسلام من إنصاف للمرأة، ومن إحياء لحقوقها التي كانت قبله مُماتة، ومن حفاظ على كرامتها، وحماية لها، ويستنكرون أن تكون ديتها نصف دية الرجل.
وبهذه المناسبة أذكر أنه: لما أراد الرئيس الباكستاني "السيد ضياء الحق" (رحمه الله) إصدار قانون للقصاص للديات، وفقًا لأحكام الإسلام، ووضع مشروع قانون، جاء فيه أن دية المرأة نصف دية الرجل، قام في وجهه مئات التقدميين من بعض وزرائه، ومن رجال القانون، والجامعيين، والقيادات النسائية..
فاستدعاني مع الدكتور "محمد معروف الدواليبي"، فذهبنا، واجتمعنا بكل فئة منهم في يوم مستقل بهم، وتناقشنا في ضوء نصوص الشريعة، وواقع الحياة والمعقول، فاقتنعوا جميعا بحكمة ما جاءت به الشريعة الإسلامية وبعدالتها في ذلك.
وكانت القيادات النسائية نفسها في طليعة المقتنعين بعد أن أوضحنا لهم وأثبتنا النقاط التالية التي كانت غائبة عن أذهانهم.
النقطة الأولى: أن قضية الدية المالية ليست مشروعة في القتل الإجرامي المتعمد، إنما هي محصورة في قتل الخطأ الذي انتفت منه فكرة التعدي على الروح الإنسانية.
وقد يكون الفاعل المخطئ أكثر ألمًا وأسفًا لما حصل منه دون قصد إجرامي. فقد تقتل الأم طفلها الوحيد إذا غلبها النوم، وهو بجانبها ترضعه، فانقلبت عليه واختنق، ثم تقضي عمرها حزينة عليه.
النقطة الثانية: أن الدية المشروعة ليست عقوبة زاجرة، إنما هي تعويض عن الضرر المادي الذي لحق بآل القتيل؛ لأن المخطئ هو الأوْلَى بأن يتحمل هذا التعويض، ولو كان حَسَن النية.
ومبدأ التعويض هذا تقوم عليه نظم العالم المتمدن أجمع، في كل ضرر في الأنفس أو الأموال نشأ من خطأ غير مقصود.
ومن قواعد هذا المبدأ ومسلماته: أن التعويض في كل فعل ضار يجب أن يكون بقدر الضرر المباشر الحاصل للمضرور.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، خلال مناقشاتنا في باكستان حول مشروع قانون القصاص والديات إذ ذاك، طرحنا على جميع الفئات السؤال التالي: هل في واقع الحياة الاجتماعية والاقتصادية في جميع البلاد حتى في أمريكا وأوروبا، في الحالات العادية بوجه عام، من الناحية المادية، يكون ضرر الأسرة بفقد ربها هو الضرر الأكبر، أو بفقد ربتها؟!
فكان الجواب من جميع الفئات أن فقدان رب الأسرة هو الأعظم ضررًا عليها، حتى في البلاد التي يتساوى فيها الرجل والمرأة في جميع الحقوق والميادين؛ ذلك لأن النشاط العملي والاكتسابي من رب الأسرة، ومردودة عليها يبقى هو الشيء الأساسي وعماد الخيمة في حياة الأسرة.
قلنا لهم عندئذ: إن الإسلام قد قدّر بلسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا التفاوت بالنصف والضعف، فجعل دية المرأة على النصف من دية الرجل فماذا في ذلك؟!
فخطأ منْ يتوهمون أن في ذلك انتقاصًا من القيمة الإنسانية للمرأة، وإنما نشأ من تصورهم وتوهمهم أن الدية هي جزاء رادع لمجرم.
وهذا غلط وخروج بالدية عن طبيعتها وهدفها في قانون الشريعة الإسلامية، بل في جميع الشرائع الوضعية أيضا.
فمن أول شرائط الجريمة بمفهومها القانوني والاجتماعي: القصد الإجرامي. وإن الخطأ مفروض في معناه عكسُ ذلك تماما، وهو انتفاء القصد الإجرامي.
النقطة الثالثة: أن الميزان الصحيح لتقويم قيمة المرأة من الناحية الإنسانية إنما يتجلى فيما يرتبه النظام من عقوبة زاجرة على القصد الإجرامي في القتل العمد العدواني.
وأن الإسلام قد سوى في هذه الناحية بين الرجل والمرأة حين أوجب أن يقتل الرجل بالمرأة قصاصا، كما تقتل المرأة بالرجل.
أما حالة الخطأ البريء، وما يجب فيه من تعويض عن الضرر المادي الحاصل منه، فليست هي ميزان القيمة الإنسانية.
على أنه، نظرًا إلى أن الخطأ في العادة غالبا ما يلابسه شيء من قلة الاحتراس والاحتياط، ولو انتفى منه القصد الإجرامي، شرع الإسلام، إلى جانب الدية في القتل الخطأ، كفارة ذات مشقة؛ لتكون تطهيرا دينيا للمخطئ، ولتشد انتباهه ويقظته أكثر إلى جانب الحيطة والحذرة.
هذا، وقد ناقشني أحد العلماء الأفاضل منتقدا قولي بأن الدية في جناية الخطأ هي مجرد تعويض عن الضرر الذي ألحقه الجاني بالضحية وأسرته، وليست عقوبة، واحتج بأن الدية تُفرض شرعًا على عاقلة الجاني.
فأجبته بأن هذا حجة لي حاسمة، وليس دليلا على أنها عقوبة؛ ذلك لأن العقوبات في الإسلام تخضع لقاعدة عامة خالدة قررها القرآن الكريم بقوله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى".
فلو كانت الدية عقوبة لَمَا جاز فرضها على عاقلة الجاني، وإلا صدق عليها قول شيخنا أبي الطيب المتنبي:
وحلَّ بغير جارمه العذاب
               وجُرمٍ جرّه سفهاء قوم
ولكن لما كانت الدية تعويضًا عن الضرر الذي ألحقه الجاني المخطئ غير المتعمد بغيره، وكانت الدية قد تبهظه، وهو بريء النية في خطئه، ليس لديه القصد إلى الإجرام العدواني، كان مستحقًا للمعاونة على مصيبته، فجعلت على عاقلته معاونة له فيها.
ولذلك أعلن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن العواقل لا تعقل العمد؛ لأن المتعدي المتعمد بالقتل قد رتب الإسلام له القصاص عقوبة زاجرة رادعة، وليس الدية.(5)
أختاه:
أن الدية ليست بأي حال من الأحوال  تعويضاً عن حياة الشخص ، أو مقابلاً لقيمته الإنسانية، وإنما هي نوعا من التعويض لأهله عن فقده كعامل منتج ، بصورة تمنحهم الفرصة لتجاوز العجز المادي الذي قد يطرأ عليهم بعد فقده، ولأن النظام الإسلامي يعتبر الرجل في العادة هو الذي يباشر العمل ليوفر دخل الأسرة ، كان من المناسب أن تدفع الدية كاملة تعويضا عن كم الضرر الذي لحق بأهل بيته نتيجة لفقده، بينما المرأة تقوم بالدعم والتنشئة للأطفال وبأعمال غير مباشرة وتتركز فيما قبل العمل وغير مكلفة بشيء من الإنفاق ، لذلك فإن خسارتها هي خسارة أقل على مستوى المالي، فكانت ديتها في القتل الخطأ نصف دية الرجل لأن الضرر الواقع على أهل بيتها من الناحية المالية أقل، ولا يدل ذلك أبدا على أن ذلك قيمتها أو قيمة الرجل، وإنما القيمة المقصودة هنا هي قيمة الضرر الواقع من فقد رب الأسرة أو ربة الأسرة، وليس في ذلك علاقة بجنس الذكر ولا بجنس الأنثى.
الشيخ منصور الرفاعي عبيد وكيل وزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة سابقا:
يؤكد أن مسألة الدية من الجزئيات التي يساء فهمها ويتخذها البعض وسيلة للطعن في الإسلام والادعاء بأنه أباح ظلم النساء وما لهن من حقوق بقبول وضعهن في مكانة ومنزلة تجعلهن من الناحية الإنسانية أقل قيمة أو من نوع أو مستوى آخر غير مستوى الرجال.
وقال إن التشريع القرآني يتضمن العديد من الأوامر التي تحض على تكريم المرأة وتؤكد مبدأ المساواة وفضلها وتوقيرها وعلو شأنها، فهي تتساوى مع الرجل في أصل النشأة والحقوق الإنسانية، والرسول- صلى الله عليه وسلم- قال في مرض موته: «اتقوا الله في النساء»، ويخاف من التقصير في حق المرأة، فيقول: «استوصوا بالنساء خيرا».
وشدد على أن القول بأن أحكام دية المرأة ليست انتقاصا للمرأة وليس معناها أو مقاصدها التحقير من مكانتها وقيمتها أو أنها أهون في الإسلام من الرجل ولا تساويه فهذا فهم مغلوط لا يعبر عن حقائق الإسلام وقيمه، ومسألة دية المرأة ينظر إليها من زاوية المسؤوليات، فالسبب في هذا النقص يرجع إلى أن الرجل ألزمه الشارع بالتزامات مالية عليه لغيره، ولم يلزم المرأة فاختلفا في الالتزام، واختلفا تبعا لذلك في العوض المدفوع لمن يخلفهما بعد وفاتهما.
ويضيف أن الأولاد إذا مات والدهم تأثروا ماديا لموت الذي ينفق عليهم، فاحتاجوا إلى التعويض عن هذه الخسارة، أما المرأة فليست ملزمة بالنفقة على أولادها. فإذا ماتت لم يفتقد أولادها بموتها نفقة أو مالا، والذي ينفق عليهم موجود وهو الأب، فكانت حاجتهم المالية لم تختل حتى يحتاجوا إلى تعويض.
وقال إن تأسيس مقدار الدية لم ينظر فيه إلى الميت بذاته، وإنما نظر إلى الالتزامات التي ألزمه الشارع بها، فإن كان عليه التزامات مالية لآخرين ألزمه بها الشارع، كالنفقة على أولاده وزوجته، فديته تبعا لذلك كبيرة، وإن كان ليس عليه التزامات مالية حتى لنفسه كالمرأة، فديتها أقل. وهذا التشريع جاء بناء على الأغلب الأعم في حياة الناس، وليس بناء على حالات فردية قد لا تجري على هذه القاعدة.(6)
وخير ما نختم به كلام قال ابن القيم - رحمه الله - في إعلام الموقعين: وأما الدية فلما كانت المرأة أنقص من الرجل، والرجل أنفع منها، ويسد ما لا تسده المرأة من المناصب الدينية والولايات وحفظ الثغور والجهاد وعمارة الأرض وعمل الصنائع التي لا تتم مصالح العالم إلا بها، والذب عن الدنيا والدين لم تكن قيمتهما مع ذلك متساوية وهي الدية، فإن دية الحر جارية مجرى قيمة العبد وغيره من الأموال، فاقتضت حكمة الشارع أن يجعل قيمتها على النصف من قيمته لتفاوت ما بينهما.
تجارة الرقيق في روما قديما

المراجع:
(1)           سورة النساء- 92 – 93 –
(2)           سورة البقرة -179-
(3)           تفسير الجامع لأحكام القرآن/ القرطبي.
(4)           تفسير القرآن الكريم/ ابن كثير.
(5)           هل دية المرأة على النصف من دية الرجل : ملتقى أهل الحديث.
(6)           دية المرأة نصف الرجل بسبب اختلاف المسؤوليات والتكاليف: صحيفة الاتحاد: 1 سبتمبر 2011

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018

(ب) الشهادة:(2) المرأة نصف الرجل في:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة:


الباب الثالث: الإسلام والمرأة:
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(2) المرأة نصف الرجل في:
(ب) الشهادة:
يتخذ الحاقدون من قوله تعالى في آية الدَّين وسيلة وأداة للتشكيك في مساواة التشريع الإسلامي ما بين الرجل والمرأة، من حيث أن التشريع الإسلامي قد جعل شهادة المرأة تعدُل نصف شهادة الرجل، حيث قال تعالى: {وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} (1)
فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وأخذوا يصولون ويجولون مرددين أن الإسلام جعل المرأة نصف الرجل، ومن ثمة يكون قد أهدر قيمة المرأة الإنسانية.
وإذا ما أردنا تفنيد ذلك الزعم الباطل، والقول الخاطئ وجدناه مفند من تلقاء ذاته، فالقاعدة المكذوبة التي لا تنتج عن  بديهيات سليمة وصحيحة، لا يُكتب لها الاستمرار أو الحياة، كما أن القياس الخاطئ لابد وأن يؤدي إلى نتائج خاطئة.
فتعالين بنا نكمل المعنى المنقوص والعلة من جعل شهادة الاثنتين تعدل شهادة رجل واحد، قال تعالى: 
{ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا }
فبذلك تظهر العلة التي جعلت – الحق تبارك وتعالى – قد جعل شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل، والذي ينحصر في الخوف من الضلال، ويقصد به النسيان، فالنسيان صفة مستحكمة في بني الإنسان بصفة عامة، وفي النساء بصفة خاصة، والآن تعالين نُفند ذلك الإدعاء الكاذب.
أولا: بعض أقول المفسرين المحدثين في آية الدًينْ:
الشيخ/ سيد قطب: 
{واستشهدوا شهيدين من رجالكم. فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان - ممن ترضون من الشهداء - أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى { إنه لا بد من شاهدين على العقد - { ممن ترضون من الشهداء } - والرضى يشمل معنيين:
الأول أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة.
والثاني أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد.. ولكن ظروفاً معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمراً ميسوراً. فهنا ييسر التشريع فيستدعي النساء للشهادة، وهو إنما دعا الرجال لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي، الذي لا تحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش، فتجور بذلك على أمومتها وأنوثتها وواجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية وهي الطفولة الناشئة الممثلة لجيل المستقبل، في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل، كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم!
فأما حين لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد وامرأتان.. ولكن لماذا امرأتان؟ إن النص لا يدعنا نحدس! ففي مجال التشريع يكون كل نص محدداً واضحاً معللاً: { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى }.. والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة.
فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد، مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء، فتذكرها الأخرى بالتعاون معاً على تذكر ملابسات الموضوع كله، وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية.
فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعي مقابلا نفسياً في المرأة حتماً، تستدعي أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء.. وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة.. وهذه الطبيعة لا تتجزأ.
فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها - حين تكون امرأة سوية - بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال، ووقوف عند الوقائع بلا تأثر ولا إيحاء، ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى - إذا انحرفت مع أي انفعال - فتتذكر وتفيء إلى الوقائع المجردة.(2)
خواطر الشيخ/ الشعراوي:
ولماذا قال الحق {شَهِيدَيْنِ } ولم يقل " شاهدان "؟! لأن مطلق شاهد قد يكون زوراً، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة، كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا، إنه إنسان تكررت منه الشهادة العادلة؛ واستأمنه الناس على ذلك، وهذا دليل على أنه شهيد، وإن لم يكن هناك شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا { فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ }
إن الحق - سبحانه وتعالى - قد طلب منا على قدر طاقتنا أي منْ نرضى نحن عنهم، وعلل الحق مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي: { أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ }؛ لأن الشهادة هي احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث، والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالبا.
أن الأصل في المرأة ألا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، وليس لها شأن بهذه العمليات، فإذا ما اضطرت الأمور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل وامرأتين؛ لأن الأصل في فكر المرأة أنه غير مشغول بالمجتمع الاقتصادي الذي يحيط بها، فقد تضل أو تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وتتدارس كلتاهما هذا الموقف، لأنه ليس من واجب المرأة الاحتكاك بجمهرة الناس وبخاصة ما يتصل بالأعمال.
وبعد ذلك يقول الحق – تبارك وتعالى - : { وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ } فكما قال الحق عن الكاتب ألا يمتنع عن توثيق الدًيْن، كذلك الشهادة على هذا الدًيْن، وكيف تكون الشهادة، هل هي في الأداء أو التحمل؟! إن هنا مرحلتين: مرحلة تحمل، ومرحلة أداء.
وعندما نطلب من واحد قائلين: تعال اشهد على هذا الدًيْن. فليس له أن يمتنع، وهذا هو التحمل، وبعدما وثقنا الدًيْن، وسنطلب هذا الشاهد أمام القاضي، والوقوف أمام القاضي هو الأداء، وهكذا لا يأبى الشهداء إذا ما دعوا تحملا أو أداءً. (3)
الشيخ/ طنطاوي تفسير الوسيط:
هذا، وشهادة النساء مع الرجال تجوز عند الحنفية في الأموال والطلاق والنكاح والرجعة وكل شيء إلا الحدود والقصاص، وعند المالكية تجوز في الأموال وتوابعها خاصة، ولا تقبل في أحكام الأبدان مثل الحدود والقصاص والنكاح والطلاق والرجعة.
ثم بين - سبحانه - العلة في أن المرأتين تقومان مقام الرجل في الشهادة فقال{ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ }.
وقال القرطبي: معنى تضل تنسى، والضلال عن الشهادة فإنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء، ويبقى المرء حيران بين ذلك ضلالا.
والمعنى: جعلنا المرأتين بدل رجل واحد في الشهادة، خشية أن تنسى إحداهما فتذكر كل واحدة منهما الأخرى: إذ المرأة لقوة عاطفتها، وشدة انفعالها بالحوادث، قد تتوهم ما لم تر، فكان من الحكمة أن يكون مع المرأة أخرى في الشهادة بحيث يتذكران الحق فيما بينهما.
والعلة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سبباً في التذكير، نزل منزلة العلة، وذلك كأن تقول: أعددت السلاح خشيه أن يجيء العدو فأدفعه، فإن العلة هي الدفاع عن النفس، ولكن لما كان مجيء العدو سبباً فيه نزل منزلته. (4)
ثانيا: العلة وصيانة الحقوق:
فالمرأة تغلبها العاطفة وتسيطر عليها أكثر من عقلها، وليس في ذلك انتقاصا لها، فلقد غلبت العاطفة على العقل في المرأة نظرا لأن العاطفة الأقرب لما كُلفت به المرأة من مهام  تتمثل في الأمومة والحضانة، وإيمانا بذلك فإذا ما جعُلت المرأة تعدل في شهادتها شهادة الرجل، ثم طُلبت المرأة للشهادة وقد غلبت عليها عاطفتها،وكان أمر الشهادة يترتب عليه تنفيذ حد من حدود الله فغلبت عليها العاطفة فأنكرت الشهادة لترتب على ذلك ضياع الحقوق ومن ثمة فساد المجتمع.
ولقد وضح لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حديثه للنساء حيث قال لهن : ( يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار – فقالت امرأة منهنْ جزلة وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟! قال: تُكثرن اللعان، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن؟! قالت: يا رسول الله ما نقص العقل والدين؟!
قال: أما نقصان في عقلها فشهادة امرأتين تعدُل شهادة رجل فهذا نُقصان العقل، وتمكث الليالي لا تُصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين (5)
ولهذا جعل الحق - تبارك وتعالى -شهادة المرأتين تعدُل شهادة الرجل على اعتبار إذا نسيت أحداها ذكرتها الأخرى.
ولا ننسى حقيقة أخرى تتمثل في أن المرأة جزء من الرجل، فهي خلقت من أحد أضلعه بينما الرجل خلق من التراب، ولا يمكن أن يتساوى الجزء مع الكل، كما لا يمكن أن يتساوى الفرع مع الأصل في الواجبات والحقوق وهذا عماد المبدأ الذي قامت عليه المساواة في الشريعة الإسلامية بين الرجل والمرأة.
فالعلة المرجوة جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، تنحصر في صيانة الحقوق عن الضياع على اعتبار أن الإدراك  والتفكير من خصائص الرجل، وهما لا يوجدان بنفس الدرجة والمقدار عند المرأة، وليس في ذلك انتقاصا لقدر المرأة، فالمرأة والرجل شريكان في الحياة ودور كل منهما مكمل لدور الآخر، فالرجل مكلف بالسعي والعمل، والمرأة مكلفة برعاية الأسرة من خلفه.
ثالثا: هل شهادة المرأة في المحكمة تُساوي نِصفَ شهادة الرَّجُل؟!
يقول الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ الله وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(6)
فالخلْطُ الذي وقعَ فيه بعضُ النَّاس هو عند قوله تعالى : { فإنْ لَمْ يكُونَا رجُلَيْن فرَجُلٌ وامْرَأتان } ، استنتجَ منه هؤلاء أنَّ شهادة المرأة في المحكمة تُساوي نِصفَ شهادة الرَّجُل ، وبالتَّالي لا بُدَّ من امرأة ثانية تشهدُ معها.
لكنَّ استنتاجَهُم هذا خاطئ تمامًا ! فالآية هنا لا تتحدَّثُ عن الشَّهادة في قضيَّةٍ مَا أمام القاضي ، وإنَّما تتحدَّثُ عن الإشْهاد عند الاستدانة ، أي عندما يُريدُ شخصٌ مَا أن يُقرِضَ شخصًا آخر مبلغًا من المال مثلاً ، فإنَّ الله يُوصيه (أي يُوصِي الدَّائن) ، لكي يَحفظَ حقَّه ويَستوثق من عودة مالِه إليه ، أن يجعلَ وثيقةً بينه وبين الذي سيَقْترضُ منه المال ، يكتُبها كاتبٌ عادل ، وبحضُور شُهود مِمَّنْ يَرضَى بهم الدَّائنُ ويثقُ بهم : إمَّا رجُلان أو رجلٌ وامرأتان، فالمرأتان إذًا تُعوّضان الرَّجُلَ الواحدَ كَشاهدتَيْن ، فقط في هذه الحالة الخاصَّة ، وهي كتابة الدَّيْن، وعلَّلَ اللهُ تعالى حضُور امرأتين بَدلَ الرَّجُل الثَّاني ، بقوله : { أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } ، أي ربَّما تَنسَى الأولى بعض التَّفاصيل ، فتُذكّرها الأخرى بها عند الحاجة لذلك . 
قال بعضُ العلماء : لِأنَّ المرأة عادةً
ليس لها خبرة مثل الرَّجل في مثل هذا النَّوع من المعاملات الماليَّة (الدَّيْن ، والبيع والشّراء) ، بِحُكم أنَّ الرَّجلَ هو الأكثر مُمَارسة لها،لهذا ، أوصَى اللهُ تعالى صاحبَ المال أن يختار رجُلَيْن مِمَّن يرضَى شهادتَهُما ، لِيَحْضُرا كتابة الدَّيْن، فإن لَمْ يَجِدْ ، فعند ذلكَ يلتجئُ إلى رجُل وامرأتين . هذه هي كلُّ القضيَّة
أمَّا الشَّهادة في المحكمة ، فلا عِبْرة فيها بِجنْس الشُّهود أو عددهم ، وإنَّما العبرة بِمَن يُقدّم البيّنة والدَّليل لِلوصول إلى الحقيقة، ولذلك يقبلُ القاضي بشهادة المرأة الواحدة ، والرَّجل الواحد ، والمرأة والرَّجل معًا ، بدون تمييز بينهما.
ويكفي أن نستدلَّ على ذلك بالآيات الخاصَّة باللّعان ، عندما يَتَّهِمُ رجلٌ زوجتَه بالزّنا وليس له شهودٌ إلاَّ نفسه حيث قال الحق - تبارك وتعالى - {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ 6 وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ 7 وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ 8 وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ 9 }(7)  
ففي هذه الحالة ، يشهدُ الزَّوجُ إذًا أربعَ شهادات بالله إنَّه لَمِنَ الصَّادقين ، والخامسة أنَّ عليه لعنة الله وسخطه إن كان مِن الكاذبين، ثمَّ يأتي دورُ الزَّوجة ، فإذا أصرَّت أنَّ زوجَها كاذب ، يُطلَبُ منها أن تشهَد أيضًا أربع شهادات بالله إنَّه لَمِنَ الكاذبين ، والخامسة أنَّ عليها لعنة الله وسخطه إن كان زوجها من الصَّادقين ، ثمَّ يُخلَى سبيلُها.
فالزَّوجة تشهد إذًا أمام القاضي نفس عدد شهادات زوجها ، لكي تُبطِلَ دعواهُ ضدَّها، وفي هذا دليلٌ واضحٌ على أنَّ شهادة المرأة أمام القضاء مساوية تمامًا لِشهادة الرَّجل ،بل إنَّ فيه أيضًا ردّا قويّا على كلّ مَنْ يدَّعي أنَّ الإسلام يضطهدُ المرأة ، لأنَّه لو كان كذلك لاكتفى بشهادة الزَّوج ضدَّ زوجته وأقام عليها الحدّ، ولكنَّها عدالةُ الإسلام التي تُساوي أمام القاضي بين الرَّجل والمرأة ، بين الرَّئيس والمرؤوس ، وبين المسلم وغيره
أخيرًا ، لو كان الإسلام يعتبرُ المرأة نصف الرَّجل ، لأعطاها فقط نصف جزاء الرَّجل يوم القيامة ولكنَّ الله تعالى يقول {  وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} (8)
وعلى هذا فمسألة أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل فيه إهدار لقيمة المرأة وإنسانيتها فذلك أمر لا مسوغ له في إطار مساواة الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات في ظل الشريعة الإسلامية، فكل حق للرجل يقابله واجب، وكل حق للمرأة يقابله واجب أيضا.
فقول الحق الله تعالى : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى } البقرة . ( ومعنى قوله { أن تضل إحداهما }
قال ابن كثير : " يعني : المرأتين إذا نسيت الشهادة ، { فتذكر إحداهما الأُخرى } أي يحصل لها ذكرى بما وقع به الإشهاد . " (9)
" وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِإِشْهَادِ امْرَأَتَيْنِ لِتَوْكِيدِ الْحِفْظِ ; لأنَّ عَقْلَ الْمَرْأَتَيْنِ وَحِفْظَهُمَا يَقُومُ مَقَامَ عَقْلِ رَجُلٍ وَحِفْظِهِ . (10)  
وليس معنى هذا أن المرأة لا تفهم أو لا تستطيع أن تحفظ ، ولكنها أضعف من الرجل في هذا الجانب - غالباً - وقد أثبتت الدراسات العملية والتخصصية أن عقول الرجال أكمل من عقول النساء والواقع والحس والتجربة يشهد بذلك  ، وكتب العلم خير شاهدٍ على ذلك فالعلم الذي نقله الرجال والأحاديث التي حفظوها أكثر من تلك التي جاءت عن طريق النساء.
رابعا: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم:
في دراسة نشرت في مجلة JNeurosci    تبين أن المرأة تتذكر الأشياء بطريقة تختلف عن الرجل. وتكون ذاكرتها العاطفية أكبر من الرجل.. أي تتأثر عاطفياً وبشكل كبير أثناء تذكر الحدث، فذاكرة المرأة أثناء الشهادة تعتمد على نوع التذكر.(11)

وعلى ذلك فشهادة المرأة في مسألة ما تخضع لعاطفتها تجاه تلك الحادثة وتتأثر بها.. وبعد سن اليأس تتشوش الذاكرة .. كل هذا يؤكد أن وجود امرأة أخرى أثناء الشهادة سيكون له أثر بالغ على  دقة الشهادة ودقة المعلومات التي ستقدمها.. لأن المرأة الثانية غالباً لن يكون لديها نفس المؤثرات العاطفية تجاه نفس الحدث.. وهذا يمكن للقاضي أن يجري مقارنات بين شهادة المرأة الأولى وشهادة المرأة الثانية ليصل إلى الحقيقة.

وفي دراسة حديثة قام بها علماء في (سيدني – أستراليا) نشرت نتائجها على شبكة CNN وشبكة BBC الإخبارية بعنوان الدراسة: Pregnancy does cause memory loss, study says – الحمل يجعل الذاكرة أقل، الدراسة تقول ذلك -.
أثبتت الدراسة أن الحمل يتسبب بضعف ذاكرة النساء، وأن هذه الحالة تستمر لفترة ما بعد الولادة أحياناً؛ حيث يتسبب الحمل في تناقص طفيف في عدد خلايا الذاكرة لدماغ الأم الحامل.
وقالت جوليا هنري، وهي إحدى العاملات على البحث من جامعة نيوساوث ويلز بسيدني، لشبكة CNN: " ما وجدناه هو أن المجهود الذهني المرتبط بتذكّر تفاصيل جديدة أو أداء مهام متعددة المراحل، يصاب باضطراب" وأضافت: " قد تعجز المرأة الحامل مثلاً عن تذكّر رقم جديد، لكنها ستستعيد بسهولة الأرقام القديمة التي كانت تطلبها على الدوام ".
وقالت هنري إنها قامت بمساعدة الدكتور بيتر ريندل بوضع هذه الدراسة بالاعتماد على تحليل 12 بحثاً شملت مسحاً لقدرات النساء الذهنية قبل الولادة وبعدها.
ولفتت إلى أن النتائج تشير إلى احتمال استمرار حالة الاضطراب هذه بعد الولادة لعام كامل أحياناً، دون أن تؤكد أن الوضع يتحسن بعد تلك الفترة بسبب الحاجة إلى المزيد من الأبحاث، غير أن الدراسة لم تحدد أسباب هذه الظاهرة؛ نظراً للحاجة إلى إجراء المزيد من الفحوصات المخبرية المعمقة، وإن كانت قد استعرضت مجموعة من السيناريوهات المحتملة، وفي مقدمتها تبدل هرمونات الجسد، والتغيّر السريع في نمط العيش.
فالعلم يؤكد: أن المرأة الحامل تصاب ذاكرتها بالضعف والاضطراب أثناء الحمل، وربما تعاني من ضعف الذاكرة لمدة عام كامل أحياناً بعد الولادة، وربما أكثر بسبب تناقص في عدد خلايا الذاكرة، والأسباب غير معروفة حتى الآن.
الإشارة إلى كثرة نسيان النساء؛ لذلك جعل شهادَتهن نصف شهادة الرجل، وهذا ما أثبته العلم الحديث.
فقد ذكر موقع News – CBC الأميركي تحت عنوان: Mild Iron Deficiency Harms Woman’s Memory – -نقصان الحديد المعتدل (وليس الحاد) يؤذي ذاكرة المرأة - أن فريقاً طبياً في كلية طب جامعة ولاية بنسلفانيا في أميركا قد أصدر دراسة عقب تجارب على 149 امرأة من سن 18 سنة إلى 35 سنة (أي شباب) أن نقصان الحديد المعتدل يبطئ من تفكير المرأة وذاكرتها، فما بالنا بالنقصان الحاد (الأنيميا)!
بل إن النساء قيد التجربة احتجْنَ إلى جرعات من الحديد لمدة أربعة أشهر يومياً لتتحسن ذاكرتهنَّ، ثم ذكرت أن 20% من نساء العالم المتقدم و40% من نساء العالم الثالث لديهنَّ نقصٌ شديد في الحديد، فما بالنا بما يعانين نقصاً معتدلاً!
من هنا يتضح لنا بعض من الحكم التي كانت السبب في أن شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين، وذلك ليس احتقاراً للمرأة؛ بل لتحقيق العدل في المجتمع (وذلك لأن الله عدل ولا يشرع غير العدل)، فماذا لو كانت امرأة واحدة هي التي تشهد في أمر كهذا، فأين العدل لو نسيت طبقاً لهذه الأسباب (الحمل ونقص الحديد وهناك الكثير وعند الله العلم الأكبر) لا يوجد عدل،
ولذلك أمر الله أن تكون الشهادة في مثل هذه المواقف لرجلين أو رجل وامرأتين، وهذا هو قمة العدل ورعاية مصالح العباد، فالله إله يحب عباده، ويشرع لهم كل ما هو مفيد وصالح، فالله هو الذي خلق البشر الرجال والنساء، ويعرف ما يخلق، ويعرف أن هناك أسباباً تجعل النساء شديدات النسيان، ولذلك عندما شرع حكم الشهادة وضع المعايير التي من خلالها تتم المصلحة لعباده، ولا يكون هناك ظلم لهم، فالله حرم الظلم على نفسه، وهذا التشريع من أكبر الأدلة على عدل الله سبحانه وتعالى.(11) 
الخلاصة:
يقول أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية الدكتور محمد كمال إمام: إن مقولة «شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل» ملتبسة وغير دقيقة، ومعارضة للقاعدة العامة في الشريعة الإسلامية في المساواة في الحقوق والواجبات بين الجنسين إلا ما استثني بنص صريح لاعتبارات تتعلق بالعدالة وبقاعدة «الغُنم بالغُرم»، وجاءت هذه المقولة في إطار استنتاج خاطئ من آية المداينة، وهي الآية رقم 282 من سورة البقرة، وفيها يقول الله تعالى «واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى».
استنتج البعض من الآية أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، لكن هذا الاستنتاج الذي اعتمده بعض الفقهاء، وسار عليه القضاء الإسلامي على مر التاريخ ليس قطعياً، بمعنى أنه يحتمل النقاش، وكان ابن تيمية أول من جادل الجمهور في هذا الاستدلال، فقال: القرآن لم يذكر الشاهدين والرجل والمرأتين في الطرق التي يحكم بها القاضي، إنما ذكر هذين النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه، فأمرهم في الآية بحفظ حقوقهم بالكتاب، ثم أمر ولي الحق أن يستشهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجلاً وامرأتين..
إلى أن قال: كل هذا نصيحة لهم وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم، وختم ابن تيمية كلامه باستنتاج رائع فقال: وما يحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به القاضي شيء آخر، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والرجل والمرأتين. فما معنى هذا الكلام؟.. معناه أن هذه الآية واردة في «شهادة التحمل» أي حفظ الحقوق لا في «شهادة الأداء» أمام القاضي، ومعناه أن للقاضي أن يقبل شهادة امرأة واحدة، فالآية لا تقطع بأن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد عند القضاء.
كما يذهب الشيخ المدني - والكلام للدكتور كمال إمام - إلى أبعد من ذلك، إذ يستنتج من نفس هذه الآية التي استنتج منها الجمهور التفرقة بين شهادة الرجل والمرأة ما يفيد التساوي بين الشهادتين، فيقول: وقد يؤخذ الدليل على هذا التساوي من الآية نفسها، إذ هي تفرض أن إحدى المرأتين قد تضل أي تنسى فتذكرها الأخرى، وإذن، فالاعتماد عند الحاكم هو على شهادة الأخرى التي ذكرت صاحبتها، أي أن الأمر قد آل إلى الحكم بشهادة رجل واحد وإحدى المرأتين في الواقع، وإذا تساءل البعض: لماذا ارشد القرآن الدائن إلى إشهاد امرأتين ورجل لحفظ حقه؟!
فإننا نجيب على ذلك بالقول: الموقف هنا موقف احتياط ومبالغة في الضمان، ولما كان شأن المرأة في المجتمع الإسلامي يختلف عن شأن الرجل، إذ يغلب أن يكون هو المتعامل الذي يبيع ويشتري ويضرب في الأسواق، أما المرأة، فالشأن الغالب عليها أنها منشغلة بشؤون أخرى، وقد لا يحفظ ذهنها كثيراً من صور المعاملات وملابساتها، فهذا مظنة لنسيانها، لذلك أرشدنا القرآن إلى طلب امرأة أخرى عند الاستيثاق، وتحمل الشهادة لتؤازرها، فإن ما يحتمل أن ينسى من واحدة بنسبة النصف مثلا يقل احتمال نسيانه إذا انضمت إلى الواحدة ثانية، ولا ينبغي أن يعد هذا الأمر انتقاصا للمرأة.(12)
المراجع:
(1)           سورة البقرة - 282-
(2)           في ظلال القرآن الكريم. 
(3)           تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي.
(4)           تفسير الوسيط في تفسير القرآن الكريم/ طنطاوي.
(5)           تفسير ابن كثير ج 1 ص 316: 317
(6)           سورة البقرة – 282 –
(7)           سورة النّور - 6-9-
(8)           سورة النّساء -124-
(9)           تفسير ابن كثير ج1 ص724.
(10)     إعلام الموقعين ج1 ص75.
(11)            https://beyondphilosophy.com/men-women-remember-things-differently


(12)     مدونات هافينغتون بوسط.
(13)     https://www.alittihad.ae