الباب
الثالث: الإسلام والمرأة:
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن
المرأة:
(4) تعدد زوجات الرسول الكريم
– صلى الله عليه وسلم -:
ثانيا: أحوال و ملابسات زواجه –
صلى الله عليه وسلم – من زوجاته – رضي الله تعالى عنهن –
(5) أم المؤمنين/زينب بنت جحش–
رضي الله عنها –
ذهب المستشرقون والمبشِّرون من أمثال: "موير"،
و"درمنجم"، و"واشنطن إرفنج"، و"لامنس"،
و"سبرنجر"، و"فيل"، وغيرهم من المستشرقين والمبشرين،إلى تصوير زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من السيدة/ زينب
بنت جحش على أنه كان لشهوة ألمت بالنبي- صلى الله عليه وسلم - حيث شغف بها، وهي لا
تزال تحت مولاه زيد بن حارثة، وأنه عليه السلام ذهب لزيارته، وكان زيد غائباً،
فاستقبلته زينب، وكانت في ثياب تُبدي مفاتنها، فوقع في قلبه شيء من جمالها.
فقال: سبحان مقلب القلوب! ثم كرر هذه العبارة ساعة انصرافه، فسمعتها
زينب، ورأت في عينيه وهج الشهوة، فأُعجبت بنفسها، ثم إنها أبلغت زيداً ما سمعت
فذهب من فوره إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -يذكر له استعداده لتسريحها.
فقال له - صلى الله عليه وسلم -: أمسِك عليك زوجك واتق الله، لكن زينب
لم تُحسن من بعد عشرته فطلقها، وأمسك محمد عن زواجها وقلبه في شُغل بها، حتى نزل
قوله تعالى:﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله تعالى :﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ )الأحزاب: 37(،
عند ذلك تزوجها وأطفأ لهيب الشوق ووهج الشهوة في نفسه، مع أن هذا كان محرما في
الجاهلية، فأباحه محمد إرضاء لهواه، واستجابة لداعي حُبه.
وهكذا يُطلق المستشرقون
والمبشرون لخيالهم العنان حين يتحدثون عن تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ليصور
بعضهم زينب ساعة رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي نصف عارية أو تكاد، وقد
انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها الناطق بكل ما يُكنه من كل معاني الهوى.
ويزعم آخرون أنه حين فُتح باب بيت زيد، لعب الهواء بأستار غرفة زينب،
وكانت ممددة على فراشه في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع
بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه، وإن لم يُطق الصبر على ذلك طويلاً.. وأمثال
هذه الصور التي أبدعها الخيال كثير.(1)
والأن تعالين بنا نرى حقيقة زواج النبي – صلى الله عليه وسلم – من
السيدة/ زينب بنت جحش؟ وما سببه؟ والحكمة منه؟ وحقيقة ما زعمه هؤلاء الأفاقون من
المستشرقين؟ من خلال النقاط التالية:
أم المؤمنين:
زينب بنت جحش هي إحدى زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم -و قد تزوج
بها الرسول في السنة الخامسة من الهجرة ، و هي بنت أمية بنت عبد المطلب عمة النبي
،و كانت زينب بنت جحش زوجة لزيد بن حارثة قبل أن تصبح زوجة لرسول الله – صلى الله
عليه وسلم –
زيد بن حارثة:
أما زيد بن حارثة ـ زوج زينب قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم - فكان
يُدعى قبل الإسلام بزيد بن محمد ، لكنه لم يكن من أولاد الرسول – صلى الله عليه
وسلم -
فقد سُبِي زيدُ بن حارثة وهو صغيرٌ وبِيع في سوقِ عكاظ، فاشتراه حكيمُ
بن حِزام لعمَّته خديجةَ بنت خُويلد، فلمَّا تزوَّجها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهبتْه له، وبعدَ أنْ
عرَفه أهلُه أرادوا فِداءَه، خيَّره رسولُ الله -
صلَّى الله عليه وسلَّم
- فاختار رسولَ الله -
صلَّى الله عليه وسلَّم
- على أهلِه، عندها تبنَّاه المصطفى -
صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: اشهدوا أنَّه ابني يَرِثني وأرِثه، وأصبح
يُدْعَى زيدَ بن محمَّد.(2)
تبنى النبي – صلى الله عليه وسلم – زيدا تبنياً اعتباريا على عادة
العرب لرفع مكانته الاجتماعية بعدما عامله والده و قومه بالهجران و الطرد ، وذلك
بعد أن اختار صحبة النبي – صلى الله عليه وسلم – على صحبة أهله، و هكذا فقد منحه
الرسول – صلى الله عليه وسلم -، احتراما كبيرا و شرفا عظيما و رفع من شأنه بين
الناس حتى صار يُدعى بين الناس بابن محمد.
فقد روي زيد بن حارثة :أن عمّه لقيَه يوماً وكان قد ورد مكة في شغل
له، فقال: ما اسمك يا غلام؟ قال: زيد.
قال: ابن منْ؟ قال: ابن حارثة.
قال ابن منْ؟ قال: ابن شراحيل الكلبي.
قال: فما اسم أمّك؟ قال: سُعْدَى، وكنت في أخوالي طيّ؛ فضمّه إلى
صدره.
وأرسل إلى أخيه وقومه فحضروا، وأرادوا منه أن يقيم معهم؛ فقالوا: لمن
أنت؟ قال: لمحمد بن عبد الله؛ فأتَوْه وقالوا: هذا ابننا فردّه علينا.
فقال: «أعْرِضُ عليه فإن اختاركم فخذوا بيده» فبعث إلى زيد وقال: «هل
تعرف هؤلاء؟» قال: نعم! هذا أبي، وهذا أخي، وهذا عمي.
فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فأيّ صاحب كنتُ لك؟»
فبكى وقال: لِمَ سألتني عن ذلك؟
قال: «أخيّرك فإن أحببت أن تلحق بهم فالحق وإن أردت أن تقيم فأنَا منْ
قد عرفتَ» فقال: ما أختار عليك أحداً.
فجذَبه عمّه وقال: يا زيد، اخترت العبوديّة على أبيك وعمك! فقال: أيْ
واللَّهِ العبودية عند محمد أحبّ إليّ من أن أكون عندكم. فقال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: "اشهدوا أني وارث وموروث"
ونِظام التبنِّي كان شائعًا قبلَ الإسلام، وبَقِيَ نافذًا بعدَه
برهةً، والابن بالتبنِّي كالابن الصلبي، وعليه فلا يجوز - في نِظام العرب قبل
الإسلام - أنْ يتزوَّج المتبنِّي زوجةَ متبنَّاه إذا فارَقَها بطلاقٍ أوموت، كما
هو الحال للابن الصُّلبي، ولما أراد
الإسلام تنظيمَ عَلاقات الأسرة المسلِمة وَفق الأساس الطبيعي لها؛ ليحكمَ رَوابطها
ويجعلَها صريحةً لا خلطَ فيها ولا تشويه، أبْطل عادةَ التبنِّي ليردَّ بذلك
علاقاتِ النسبِ إلى أسبابها الطبيعيَّة، وهي علاقات الدَّم والأُبوَّة والبنوَّة
الحقيقيَّة، فأنزل الله تعالى قوله:
﴿ مَا جَعَلَ
اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ
اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ
أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ
وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴾ )الأحزاب: 4(
قال الواحديُّ: ﴿ وَمَا جَعَلَ
أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ نزلَتْ في زيد بن حارثة، وعليه أكثر
المفسِّرين.(3)
فقوله: ﴿ وَمَا جَعَلَ
أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ أي: لم يجعلِ الله مَن ادَّعيتَ أنَّه ابنك
وهو ابن غيرِك ابنَك حقيقةً بمجرَّد دعواك؛ لأنَّ هذا الادِّعاء كلام لا حقيقةَ له
ولا يثبت به نسب، فهو مخلوقٌ مِن صُلب رجلٍ آخَر، والله يقول الحق ويُرشدنا إلى أن
نَنسُبَهم إلى آبائهم الحقيقيِّين، فإنْ لم نكن نعرِف آباءَهم الحقيقيِّين فهم
إخوانُنا في الدِّين وموالينا فيه.(4)
وبعدَ نزولِ هذه الآيات أصبح زيدٌ يُدعَى: زيدَ بنَ حارثة.
زواج وطلاق بأمر القرآن:
عندما شعر النبي – صلى الله عليه وسلم – برغبة زيد في
الزواج أمره بخطبة بنت عمته زينب ، لكن زينب رفضت ذلك تبعا للتقاليد
السائدة في تلك الأيام و لاستنكاف الحرة من الزواج من العبد المعتق ، خاصة و إن
زينب كانت من عائلة ذات حسب و شأن.
خطَب رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - زينبَ بنت جحشٍ لمولاه
زيدِ بن حارثة، ولكنَّها رفضتْ وأبَتْ لكونه لا يُماثلها شرفًا ولا حَسبًا؛ هي
القُرشيَّة وهو المولَى، وساندَها في رَفضِها أخوها عبدُالله بن جحش(5)
فعن ابن عبـاس، قال: خطب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - زينب بنت
جحش لزيد بن حارثة، فـاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حَسَبـاً، وكانت امرأة فـيها
حدّة، فأنزل الله:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } الأحزاب:36
فأخبرت زينب النبي - صلى الله عليه وسلم -بقبولها بهذا الزواج ، و
هكذا فقد تم الزواج برضا زينب ، نزولا عند رغبة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، و
خضوعا و تسليماً لحكم الله تعالى.
قال ابنُ كثير: "إنَّ رَسولَ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - انطلَق ليخطبَ على فتاة زيدِ بنِ حارثة - رضي الله عنه -
فدَخَل على زينبَ بنتِ جحش الأسديَّة - رضي الله عنها – فخَطَبها.
فقالت: لستُ بناكحتِه، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((بلَى فأنكحيه))، قالت: يا رَسولَ الله: أؤامِر نفْسي؟ فبينما هما يتحدَّثانِ
أنزلَ الله هذه الآيةَ على رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ
وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ (الأحزاب: 36)، قالت: رضيتُه لي يا رسولَ الله
منكحًا".
ومعنى الآية: هو التسليم والخُضوع لقضاءِ الله ورَسولِه، وأنَّ عصيان
الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو عصيانُ الله؛ فليس لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ أن
يختاروا مِن الأمورِ ما يَشاؤون، بل يجب أن يكونَ اختيارهم تبعًا لما اختارَه
رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعندَها قالت زينبُ وأخوها: رَضينا يا
رسولَ الله(6)
ولكن الشريفة التي تزوجت عبد الرق لم تنس الفارق بينهما، فكثرت
الخلافات حتى جاء الطلاق من زيد.
فروى البخاري في صحيحة عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي
- صلى الله عليه وسلم - يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك.
قال أنس: لو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كاتماً شيئاً لكتم
هذه الآية،ثم قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول:
زوجكن أهليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات.
فلقد أخبر الحق – تبارك وتعالى – رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم –
بأن زينب ستكون زوجة له، وهي لم تزل تحت ابنه بالتبني زيد، فكان الرسول الكريم -
صلى الله عليه وسلم – يخشى حدوث ذلك، حتى لا يردد الناس: أن الرسول - صلى الله
عليه وسلم – قد تزوج امرأة ابنه، وقد كانت الدعوة تواجه الكثير من الصراعات
والأحقاد، لذلك – لذلك خاطبه – سبحانه – مبطلا ذلك قائلا: {وَإِذْ تَقُولُ
لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ
زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ
مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ
فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ مَفْعُولا} الأحزاب:37
فالذي (أَنْعَم الله عليه) هو زيدُ بن حارثةَ؛ إذ أنْعَم الله عليه
بالإسلامِ، (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ)، وذلك بعِتْقه مِن العبودية، (أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ) هو ما قالَه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لزيدٍ
عندما جاءَ يَشْكو منها ويُريد تطليقَها، فقال له: لا تُطلِّقها ضرارًا وتَعلُّلاً
بتكبُّرها واشتدادِ لسانِها عليك، (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ)؛
أي: إنَّ الله أعْلمك أنَّ زيدًا سيُطلِّقها وأنك ستتزوَّجها؛ فلماذا تقول له:
أمْسِك عليكَ زوجَك؟! وهذا عتابٌ مِن الله لرسولِه المصطفى - صلَّى الله عليه
وسلَّم - تقول له ذلك، والأولى أن تصمُتَ وتتركه يُطلِّقها، ولكنَّ المصطفى -
صلَّى الله عليه وسلَّم - فعَل ما يَجِب عليه مِن الأمْر بالمعروف.(7)
﴿ وَتَخْشَى
النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾؛ أي: تخاف وتستحي أن تقولَ لزيد: طلِّقها
عندما أراد طلاقَها حتى تتزوَّجها، كما أعْلمك الله بذلك؛ خشيةً أو حياءً مِن قول
الناس: إنَّ محمدًا تزوَّج حليلةَ ابنه، والله وحْده أحقُّ أن تخشاه في كلِّ أمر
تفعلُه.(8)
رُويَ عن أمِّ المؤمنين عائشةَ - رضي الله عنها - أنَّها قالت:
"لو كان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُخفي شيئًا مما أنْزَله الله
عليه لأخفَى هذه الآية"، ولكن حاشاه في ذلك فقدْ بَلَّغَ - صلَّى الله
عليه وسلَّم - كلَّ ما أنزله الله عليه حتى ما فيه عتابٌ له.(9)
جاء في موقع الإسلام سؤال وجواب:
كان زيد بن حارثة رضي الله عنه في أول أمر الإسلام ابناً للنبي - صلى
الله عليه وسلم - بالتبنِّي ، وكان يُدعى " زيد بن محمد " ، وقد زوَّجه
النبي - صلى الله عليه وسلم - من ابنة عمته " زينب بنت جحش " رضي الله
عنها ، فلمَّا أبطل الله تعالى التبنِّي نُسب زيدٌ لأبيه " حارثة "
ثم إن " زيداً " رضي الله عنه اشتكى لنبينا -صلى الله عليه وسلم - من زوجته " زينب " ، والنبي - صلى
الله عليه وسلم - يصبِّره ويذكره بتقوى الله تعالى ، وبعد ذلك الإبطال للتبني يوحي
الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن زيداً سيطلق زوجته وأنها ستكون
زوجة له ، فأخفى - النبي صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر – وهو تزوجه بزينب
مستقبلاً – عن الناس ولم يبده لأحد ، ولم يكن وحياً مأموراً بتبليغه ، وإنما خبر سيتحقق
، وقد حصل فعلاً أن طلق زيد زوجته زينب ، وتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم-
فليس في قصة تزوج النبي -
صلى الله عليه وسلم - بزينب ما يقدح في مقامه ، ولا ما ينزل من قدره.
وما يذكره بعض المفسرين في ذلك من أقوال تخالف ما ذكرناه فكله ضعيف
مردود .
قال القرطبي - رحمه الله -
قال ابن العربي : فإن قيل : لأي معنى قال له : (أمسك عليك زوجك) وقد
أخبره الله أنها زوجُه ؟
قلنا : أراد أن يختبر منه رغبته فيها أو رغبته عنها ، فأبدى له "
زيد " من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها .
فإن قيل : كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه ، وهذا
تناقض ؟! .
قلنا : بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة ، ألا
ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن ، فليس في مخالفة
متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلاً وحُكماً ، وهذا من نفيس العلم
فتيقنوه ، وتقبلوه .
زَواج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِن زينب:
قال - تعالى -: ﴿ فَلَمَّا قَضَى
زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ
أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ {الأحزاب:
37}.
أي: لما قضَى زيدُ بن حارثة حاجتَه مِن زينبَ بنت جَحْش وفارَقها،
وبانتْ منه زوجناكها، وكان الذي وَلِيَ تزويجها منه هو الله بمعنى أنَّه أوْحَى
إليه أن يدخُل عليها بلا وليٍّ ولا عقْد ولا مهْر ولا شهود مِن البشر(10)
وفي ذلك يقولُ البخاريُّ عن أنس بن مالك أنَّه قال:
"إنَّ زينبَ بنتَ جحشٍ كانت تَفخَر على أزواجِ النبيِّ - صلَّى الله عليه
وسلَّم - فتقول: زوَّجكن أهاليكُنَّ، وزوَّجني اللهُ تعالى مِن فوقِ سبعِ سموات"(11).
بعدَ زواجِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِن زينبَ بنتِ
جحش، قال الذين في قلوبهم مرَض: لقدْ تزوَّج محمَّد مِن حليلةِ ابنه، فأنزل الله
قوله - تعالى
-: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا
أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ
وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾
{الأحزاب: 40}
أي: لم يكُن محمَّدٌ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أبًا لزيدٍ على
الحقيقة، ولم يكن محمدٌ أبًا لأحدٍ مِن الصحابة، ولم تكن زينبُ زوجةَ ابنِه،
فرسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يَعشْ له ولدٌ ذكَر، فقد وُلِد له
القاسم والطاهر والطيِّب مِن خديجة - رضي الله عنها - فماتوا صِغارًا، وولد له
إبراهيم مِن مارية القبطيَّة - رضي الله عنها - فمات رَضيعًا، وكان له أربعُ بناتٍ
مِن خديجة: زينب ورقيَّة، وأم كلثوم وفاطمة - رضي الله عنهنَّ جميعًا، فمات في
حياته ثلاثٌ منهنَّ، وتأخَّرتْ فاطمة بعدَ وفاته بستَّة أشهر، ثم بيَّن الله تعالى
صِفتَه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: هو رسولُ الله وخاتم النبيِّين.(12)
أهداف ذلك الزواج:
ولقد انحصرت أهداف ذلك الزواج في:
• جبر الخاطر وتعديل ما حصل
لابنة عمته و تضررها بالطلاق و قد رضيت بالزواج من زيد بأمر من الله و رسوله– صلى
الله عليه وسلم - ، فأراد الله – سبحانه – أن يرضيها بعد الطاعة لله ولرسوله
بالزواج من الرسول - صلَّى الله عليه وسلم – وفي ذلك إكراما وتعويضا لها عن ما حصل
لها.
• إبطال قاعدة التبني التي
كانت منتشرة في الجاهلية، والتي تمنع الزواج من زوجة الابن من التبنّي ، رغم كونه
أبنا اعتباريا لا غير.
• كسر العادات و التقاليد
الخاطئة و التي كانت تمنع زواج العبيد المعتقين من الحرائر أو بنات العوائل المعروفة ، و بالفعل
فقد تحقق للنبي العظيم – صلى الله عليه وسلم -، ما أراد و تمكن من تطبيق المساواة
بصورة عملية بين أفراد المجتمع الإسلامي لتصبح التقوى والعمل الصالح هما معيار
التفاضل في الإسلام.
الخلاصة:
لقد تعلق المستشرقون فيما ادعوه من فتنة النبي - صلى الله عليه وسلم -
بزينب وولعه بها، وهي في بيت زيد،بروايات تحمل هذا المعنى الفاسد.
ولكن ما يتعلقون به
أوهى من نسيج العنكبوت، فهذه الروايات وأمثالها لا تنهض دليلاً لهم، ولا تصلح متكأ
يتكئون عليه فيما زعموه.. فهذه الروايات قد كشف العلماء زيفها، وأثبتوا بطلانها، فأنهارت
أمام التمحيص التاريخي الدقيق، والنقد العلمي النزيه، هذا بخلاف تعارضها مع أصول
الدين من مبدأ عصمة النبيين، وتنزههم عن أي عمل غير لائق بأحد من المسلمين.
هذا وقد أفاد بعدم صحة مثل تلك الروايات أئمة الدين، وعلماء الإسلام،
ومنهم الإمام ابن كثير و ابن حجر والإمام ابن العربي المالكي، حيث قال: " وهذه
الروايات كلها ساقطة الأسانيد؛ إنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو
كان رسول الله عليه وسلم كاتما من الوحي شيئا لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ
لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ )الأحزاب: 37(.
قال القاضي: وما وراء هذه الرواية غير معتبر، فأما قولهم: إن النبي
صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه؛ فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع،
ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها، ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع في
قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته [أي: زوجها زيداً] نفسها وكرهت غيره، فلم
تخطر بباله [أي: النبي صلى الله عليه وسلم]، فكيف يتجدد له هوى لم يكن، حاشا لذلك
القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة"(13)
أمثل تلك الزيجة التي كان عقدها القرآن، والخاطب والمزوج هو الرحمن من
فوق سبع سموات، والهدف رفع الحرج عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لما أُبلغ
بزواجه منها بعد طلاقها من زيد، وخشية الرسول – صلى الله عليه وسلم – من تغامز
الناس: من انه تزوج بمطلقة ابنه بالتبني. أمثل تلك الزيجة يُقال فيها أنها كانت
على أساس من شهوة الجسد أو ميل العاطفة ؟! كما يزعم الجهلة والحاقدون؟!
المراجع:
(1) ( حياة محمد، د. محمد حسين هيكل، ص 226 - 227 و ص 2336 بتصرف، دار المعارف - مصر، ط السادسة عشرة، ويُراجع: ما يقال عن الإسلام، العقاد، مجموعة الأعمال الكاملة 6/ 539).
(2) ( ابن عبد البر، "الاستيعاب" (1/ 545)، ابن حجر، "الإصابة" (1/ 563)
(3) (الطَّبري، التفسير، (21/ 119)، القرطبي، التفسير (14/ 118)، ابن كثير، التفسير (3/ 4659)، الصابوني، "روائع البيان تفسير آيات الأحكام مِن القرآن" (2/ 254)
(4) ( ابن كثير، "تفسير القرآن" (3/ 465)، الصابوني، "روائع البيان" (2/ 254)
(5) (ابن كثير، "تفسير القرآن" (3/ 489).
(6) (ابن كثير، "تفسير القرآن" (3/ 490).)
(7) ( ابن كثير، "تفسير القرآن" (3/ 490 -491)
(8) (ابن كثير، "تفسير القرآن" (3/ 490 – 491)
(9) ( ابن كثير، "تفسير القرآن" (3/ 491)
(10) روى مسلم"الصحيح"، كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش (2/ 1048)، رقم الحديث (1428)
(11) ("الصحيح"، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿ اتَّقِ اللهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ (ص: 1309)، رقم الحديث (7420)
(12) ( الطبري، التفسير (22/ 16)، القرطبي، التفسير (14/ 188).
(13) (تفسير القرآن العظيم 3/ 507.) والإمام. و (فتح الباري 8/ 384.) و(أحكام القرآن، لابن العربي 3/ 577، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى 1408هـ - 1988م.)