الأربعاء، 31 يوليو 2019

أولا: أن الحجاب نظام وبدعة من وضع الإسلام:(6) الحجاب:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة


الباب الثالث: الإسلام والمرأة
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(6) الحجاب:
يجتهد الحاقدون على الإسلام وأهله في الطعن في ثوابت الدين الإسلامي للنيل منه وتشكيك أهله فيه، وهنا يزعمون أن حجاب المرأة المسلمة حبس للمرأة، وعلامة من علامات الرجعية والتخلف، وأن الله لم يخلق المرأة لتتستر بل لتبدي وتظهر جمالها.
وأن الحجاب يعبِّر عن الاضطهاد الذكوري، فاللورد كرومر اتخذ من حجاب المرأة المصرية المسلمة وسيلة لبث روح التفرقة بين المرأة والرجل في مصر، حيث قال: بأنَّ المرأة تـُوصَمُ بتدني القيمة والخضوع للرجل من خلال الغطاء الذي يفصل بين الجنسين. وهكذا سعى كرومر لتحريض المصريات على أزواجهن وآبائهن وأشقائهن.
الأمر الذي لا يتوافق مع الحضارة الغربية ونظامها القيمي، فتمَّ إجباِر المسلمات في المستعمرات الفرنسية على خلع الحجاب.
تلك كانت مزاعم هؤلاء الأفاقون، والأن سنحدد تلك المزاعم في نقاط، لنُفند كذبهم، وذلك على النحو التالي:
أولا: أن الحجاب نظام وبدعة من وضع الإسلام:
على طريقة مسلسل العداء، الذي لم ولن ينتهي للإسلام، يحاول إخواننا الحاقدون تلفيق التهم، بل كيلها كيلا للإسلام، فهم يزعمون أن حجاب النساء بدعة جاء بها الإسلام، وأن الحجاب لم يُعرف قبل الإسلام، وأنه فرض لحبس المرأة، وإلحاق الذلة والمهانة بها، حيث أنه ينتقص من حريتها، هذا هو الزعم، وتلك هي التهمة، التي يجتهدون في إلصاقها بالإسلام، فتعالين بنا لنرى حقيقة ذلك الزعم، ونتعرف على كذبه وافترائه؟!
ولسوف يكون ردنا من خلال النقاط التالية:
      أن الحجاب نظام وبدعة من وضع الإسلام.
      أن الإسلام شُرع لحبس المرأة:
      كلمة حق.
أولا: أن الحجاب نظام من وضع الإسلام، وأنه لم تعرفه أيَّ من الديانات، ولا الأمم السابقة – والحقيقة التي لا ريب فيها، أن هذا الكلام كمن سبقه مجرد هراء، ولا يخلو من الافتراء والادعاء والكذب، فيكفي أن نتصفح بعض أوراق التاريخ، لندرك أن الحجاب كان نظاما معروفا قبل الإسلام.
فالحجاب فضيلة أوجبتها كافة الشرائع السماوية قبل الإسلام.. فالشرائع السماوية جميعها اتفقت على الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتأتي العفة على رأس مكارم الأخلاق، لذا وجدناها تأمر بالحجاب، فمن الموافق للعقل والحكمة أمر النساء بالستر والحجاب والحشمة، كما أمر الرجال بغض النظر،والآن تعالين بنا نتعرف على الحجاب عند الأمم السابقة للإسلام:
حجاب المرأة الفارسية
(1) الحجاب عند الآشوريين:
يعتبر الآشوريون من أقدم الشعوب التي أخضعت النساء للحجاب ، وذلك ما أكدته الحفريات في أشور القديمة ، حيث عُثر على لوحات طينية ترجع إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ، تحتوي على قواعد قانونية أقدم من ذلك عهدًا.
وفي إحدى  فقرات اللوحة الأولى  منها  بيانٌ مفصلٌ عن نظام الحجاب الذي كان مطبقًا على الحرائر ، دون الإماء والداعرات والعواهر، بل كانت توقع على الأمة أو العاهر التي تتحجب عقوبات شديدة، فالأَمَةُ كانت تُصْلَمُ(أي تُقطع) أذنها على سبيل المثال ، والعاهر كانت تجلد خمسين جَلدة ويصب القطران على رأسها.
وكان من الواجب على كل من يشاهد أًمَةً ، أو عاهرًا ، أو داعرة متحجبة أن يقبض عليها ، ويأتي بها إلى محكمة القصر وكان يكافأ على عمله بمنحه ثيابها، وعلى العكس من ذلك إذا شاهد إنسان أَمَةً ، أو عاهرًا ، أو داعرة متحجبة ولم يقبض عليها تعرض لعقاب شديد ، فكان يُجلد خمسين جلدة ، وتُثقب أذناه ، وتُربطان بخيط يُعقد عند ظهره ،ويأخذ من أقام عليه الدعوى  ثيابه ، ويُسخَّر في خدمة الملك شهرًا .
ونلاحظ أن الأَمَة إذا خرجت مع سيدتها وجب عليها أن تتحجب ، وكذلك تفعل العاهر أو الداعر إذا تزوجت.
حجاب المرأة اليونانية
(2)  الحجاب عند اليونان :
كان الحجاب معروف عند اليونان في بادئ الأمر ، ثم منه انتقل إلى المجتمعات الأخرى ، و لذا دامت حضارتهم زمناً طويلاً بسبب حجاب المرأة ، ثم انحطت ، و تدهورت تلك الحضارة العريقة بسبب إباحة الحرية المطلقة للمرأة ، فألقت حجابها ، و سترها ، و أطلقت يدها للتدخل في شؤون الرجال و الدولة إلى أن سقطت تلك الدولة العظيمة ، فقد جاء في دائرة المعارف الكبرى: أن عمران المملكة اليونانية ، كان سببها عدم اختلاط المرأة مع الرجل في ميادين العمل ، و كن يشتغلن في بيوتهن ، و يغالين في الحجاب لدرجة أن الداية - القابلة – لا تخرج من دارها ألا محفورة ، و وجهها ملثم باعتناء ، و عليها رداء طويل يلامس الكعبين ، و فوق كل ذلك عباءة ، لاتسمح برؤية شكل قوامها.
من جهة أخرى كانت الفتاة فى عهد الإغريق لا تغادر منزلها حتى يتم زفافها، ولم تكن الزوجة ترى وجه زوجها إلا ليلة الزفاف وكانت الزوجة تختفي من المنزل إذا استضاف الزوج صديقا له.
وعندما قدم « كورنيلوس تيبوس » ، المؤرخ الروماني ، لزيارة اليونان في القرن الأول قبل الميلاد ، أدهشته حياة العزلة والانفصال التي تعيشها المرأة اليونانية ، وهو الذي تعوَّدَ في بلده على اختلاط الجنسين ، فكتب يقول :
« كثير من الأشياء التي نظمها الرومان بلباقة ، يرى  فيها اليونانيون منافاة لحسن الآداب، فأي روماني يستشعر العار من اصطحابه زوجته إلى مأدبة ؟ والرومانيات يشغلن عَادةً الحجرات الأولى  من المنزل ، والأكثر تعرضًا للرؤية ، حيث يستقبلنَ كثيرًا معارفهن،وأما عند اليونانيين فالأمر على النقيض، فنساؤهم لا يشتركن في مأدبة إلا إذا كانت لدى  أقاربهن ، وهنَّ يَشغلنَ دائمًا الجزء الأكثر انزواءً من المنزل ، والذي دخوله محرم على كل رجل غير قريب ».
و أكد " كلوريتلوس " أن الزوجة اليونانية لم تكن تخرج من المنزل إلا بعد إذن زوجها وكان حجاب المرأة اليونانية حجاب كامل لا يظهر فيه سوى العين .
فلم يكن يسمح للمرأة أن تخرج من دارها إلا بـإذن زوجها ، ولم يكن ذلك عادة إلا لسبب وجيه ، كزيارة قريبة ، أو عيادة مريض ، أو أداء واجب العزاء . وفي الحالات التي كان يسمح فيها للمرأة بالخروج كانت التقاليد تلزمها بوضع حجاب يخفي معالم وجهها .
ويصف « ديكايرش » حجاب نساء « طيبة » ــ إحدى  المدن اليونانية ــ  فيقول :
« إنهن كن يلبسنَ ثوبهن حول وجههن بطريقة يبدو معها هذا الأخير وكأنه غطي بقناع ، فلم يكن يرى  منهن سوى العينين » .
وفضلًا عن ذلك كان من اللازم أن يرافقها أحد أقاربها من الذكور ، أو أحد الأرقاء. وكان بعض الأزواج لا يكتفي بما كانت تفرضه التقاليد على حرية المرأة ، فكانوا يضعون أختامهم على أبواب دورهم عندما يتغيبون ، رغبة في زيادة الاطمئنان. (1)
صورة لملك وملكة أوربية من القرن الـ 15 ويبدو الاحتشام واضح في زي الملكة
(3) الحجاب عند الرومان :
أما الرومان في أول دولتهم كانت فيهم بقية من آثار النبوة لصلة فلاسفتهم المتقدمين بأرض العراق والشام مهد النبوات، "فأساطين الفلسفة كفيثاغورث وسقراط وأفلاطون قدموا الشام وتعلموا الحكمة من لقمان وأصحاب داود وسليمان" 
وأما آخر دولتهم فقد تأثرت بالديانة النصرانية، ولهذا تُظهر بعض التماثيل والمجسمات في بعض عصور الدولة الرومانية يبدو على المرأة فيما يشبه الحجاب.(2)
لقد عُرف الحجاب عند الدولة الرومانية ، حيث دامت زمناً طويلاً بسبب حجاب المرأة وفقا لقول العلامة لا روس في مسالة الحجاب حيث قال: كان النساء يستعملن الخمار ، إذا خرجن ، و يخفين وجوههن ، و كانت النساء تستعمله في القرون الوسطي ، و استمر إلى القرن الثالث عشر ، حيث صار النساء يخففن منه إلى أن صار كما هو الآن نسيجا خفيفاً ، يستعمل لحماية الوجه من التراب و البرد ، وقد كان لترك الحجاب و عدم استقرار المرأة في بيتها ، أقبح نتائج السوء في الدولة الرومانية ، إذ أدى إلى سقوط تلك الدولة العظيمة و تأخرها. (3) 
فالحجاب كان نظاما معمولا به عند اليونان والرومان القدماء، بل تجاوز الأمر بالرومان أن فرضوا ما سمي – بقانون أوبيا – والذي يمنع المرأة، ويحرم عليها المغالاة في زينتها حتى في البيوت.(4)
لَكْشْمِيِ هي إلهة المال والحظ في الهندوسية وهي زوجة الإله فيشنو. يصلي معظم الهندوسيين لها في عيد الديوالي.
(4) الحجاب عند الهندوس:
مما يؤكد وجود الحجاب في الهند ، ما ورد في أحد النصوص الأدبية ، أن الملك  « راما » خرج يومًا من قصره مع زوجته « سيتا » ، فوجد أن رعاياه ينتظرونهما أمام باب القصر بفارغ الصبر ، لإلقاء نظرة عليهما. ولما شاهد الملك هذا الجمهور الذي يرنو إليه بلهفة ، التفت إلى زوجته ، وقال لها : « ارفعي يا سيدة حجابك » ! ثم توجه إلى  الحشود ، وقال لهم : « تطلعوا ، ومتعوا أنظاركم بهذا الوجه الجميل ، فلا غضاضة من النظر إلى وجوه النساء عند التضحية ، وأثناء حفلات الزفاف ، وأثناء المصيبة ، وعندما يكنَّ في الغابات »(5)
(5) الحجاب في اليهودية:
التوراة الذي جاء به نبي الله موسى بن عمران(عليه السلام) قد تضمنت عقائد وعبادات وأخلاقًا وأحكامًا ؛ آمن بها فريق من بني إسرائيل ، وكفر بها معظمهم ، فقتلوا أنبياءهم ، وحرفوا كتبهم ، وصاغوها حسب أهوائهم ، فغضب الله تعالى  عليهم.
قال الله جل وعلا : ﴿ ضُرِبَت عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ الله وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله وَضُرِبَت عَلَيْهِمُ الْـمَسْكَنَةُ ذَلِكِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكِ بِـمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾(6)
فهم كما وصفهم ابن القيّم « أهل الكذب ، والبَهْت ، والغدر ، والمكر ، والحيل ، قتلة الأنبياء ، وأكلة السُّحْت ــ وهو الربا والرِّشا ــ  أخبث الأمم طويَّة ، وأرداهم سجية ، وأبعدهم من الرحمة ، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء ، وديدنهم العداوة والشحناء ، بيت السحر والكذب والحِيَل ؛ لا يرون لمنْ خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة ، ولا يرقُبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة ، ولا لمنْ وافقهم عندهم حق ولا شفقة ، ولا لمنْ شاركهم عندهم عدل ولا نَصَفة ، ولا لمنْ خالطهم طمأنينة ولا أَمَنة ، ولا لمنْ استعملهم عندهم نصيحة ؛ بل أخبثهم أعقلهم ، وأحذقهم أغَشُّهم ؛ وسليم الناصية ــ وحاشاه أن يوجد بينهم ــ ليس بيهودي على الحقيقة ، أضيق الخلق صدورًا ، وأظلمهم بيوتًا ، وأنتنهم أفنية ، وأوحشهم سجية، تحيتهم لعنة ، ولقاؤهم طِيَرة ، شعارهم الغضب ، ودِثارهم المقت » (7)
ورغم ما أحدثوا في « التوراة » من تحريف ، وما ضمَّنوها من تحريف ، فما زال فيها بقية من حق دلَّ عليها القرآن الكريم ، والعقل القويم، ومثال ذلك الأمر بالحجاب ، فقد كان معروفًا ومطبقًا عندهم في أيام أنبيائهم ، وأشارت إليه كتبهم ، بدليل ذكر البرقع في غير موضع من العهد القديم منها:
- جاء في « سفر التكوين » قصة طويلة عن امرأة اسمها « رِفقة » وفيها : « ... وخرج إسحاق ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء ، فرفع عينيه ونظر ، وإذا جِمالٌ مقبلة . ورفعت رِفقة عينيها ، فرأت إسحاق ، فنزلت عن الجمل ، وقالت للعبد : مَن هذا الرجل الماشي في الحقل لقائي، فقال العبد : هو سيدي ، فأخذت البرقع وتغطَّت »(8)
- وفي الإصحاح الثامن والثلاثين من « سفر التكوين » : « قال يهوذا لثامار كنَّتِهِ : اقعدي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شِيلةُ ابني ، لأنه قال لعله يموت هو أيضًا كأخويه ، فمضت ثامار ، وقعدت في بيت أبيها،ولما طال الزمان ماتت ابنة شوع امرأة يهوذا، ثم تعزَّى  يهوذا فصعد إلى جُزَّاز غنمه إلى تِمْنةَ هو وَحِيرةُ صاحبُه العَدُلَّاميّ ، فأخبرت ثامار ، وقيل لها : هو ذا حموك صاعد إلى تِمنةَ ليجُزَّ غنمه . فخلعت عنها ثياب تَرَمُّلها ، وتغطت ببرقع وتلفَّفت ، وجلست في مدخل عَينايم التي على طريق تمنة ، لأنها رأت أن شِيلة قد كبر وهي لم تُعطَ له زوجة »(9).
- جاء في الإصحاح الثالث من « سفر أشعياء » ما يلي :
« قد انتصب الرب للمخاصمة ، وهو قائم لدينونة الشعوب ... وقال الرب : من أجل أن بنات صهيون يتشامخن ، ويمشين ممدودات الأعناق وغامزات بعيونهن ، وخاطرات في مشيهن ، ويخشخشنَ بأرجلهن ، يصلع السيد هامة بنات صهيون ، ويعري الرب عورتهن ــ أي في يوم القيامة ــ . ينزع السيد في ذلك اليوم زينة الخلاخيل والضفائر والأهلة ، والحلق والأساور والبراقع ، والعصائب والسلاسل والمناطق ، وحناجر الشمَّامات والأحراز ، والخواتم وخزائم الأَنف ، والثياب المزخرفة ، والعُطف والأردية والأكياس ، والمرائي والقمصان والعمائم والأُزر ، فيكون عِوضَ الطيب عفونة ، وعِوضَ الِمنطَقة حبل ، وعوضَ الجدائل قَرعَة ، وعَوضَ الديباج زُنَّارُ مِسح ، وعوضَ الجمال كيّ » (10)
 - جاء في النشيد الخامس من أناشيد سليمان قول امرأة مخاطبة حبيبها:
أخبرني يا منْ تُحبه نفسي أين ترعى عند الظهيرة؟! ولماذا أكون مقنعة عند قطعان أصحابك؟!
فهكذا نرى  أن كتب « العهد القديم » التي عند اليهود ،قد نصّت على حجاب المرأة ، وذكرت البراقع والعصائب ، وحَرَّمت على النساء كل ما يتنافى  مع الحشمة والعفاف ، أو يدعو إلى الإثارة والفتنة ، كالتبختر في المشي ، والغمز بالعيون ، وخشخشة الخلاخيل ، والبروز من غير حجاب أمام غير المحارم.
كما نَصَّت تلك الكتب على أنَّ فاعلات تلك المحرمات يُعاقبنَ يوم القيامة ، حيث تُنزع عنهن الزينة والملابس الجميلة ، ويظهرن قُرْعًا جزاء ما كشَفْنهُ من شعورهن ، وتكوى  أجسادهن بالنار لما أبدَيْنهُ من جمالهن.
ولا شك أن تلك التوجيهات والأوامر ، تحمل في ثناياها تربية على الفضائل ، فضلًا عما فيها من زواجر عن ارتكاب أسباب الغواية ومقدمات الفساد، ولن تجدَ في التشريعات البشرية كلها ما يداني دين الله تعالى في الدعوة إلى الفضائل ، ومحاربة الرذائل ، حفاظًا على الأمة من السقوط ، وصيانة لها من التَّرَدِّي والهبوط، إلا أن إخواننا من بني يهود تركوا آيات الله في التوراة، وفضلوا عليها، تخاريف البشر في التلمود، فنبذوا مكارم الأخلاق، وتحلوا بأسوأ الصفات والأعراف التي توافق طبائعهم الخسيسة التي تجنح دائما إلى الرذيلة.
راهبات فرنسا فى القرن السابع عشر
(6) الحجاب في المسيحية:
الإنجيل الذي جاء به نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) أكد على وجوب الحجاب على النساء في كثيرة من آياته ، و أن النساء في ذلك الوقت امتزن بالحجاب ، و بضرب الستر على أنفسهن كي لا يراهن رجل أجنبي، أما الأناجيل التي بين أيدينا وهي:
ــ إنجيل متَّى  : وكُتب بعد رفع السيد المسيح بأربع سنوات
ــ إنجيل مرقص : وكُتب بعد رفع السيد المسيح بثلاث وعشرين سنة
 ــ إنجيل لوقا : وكُتب بعد رفع السيد المسيح بعشرين سنة، ولوقا ليس من تلاميذ السيد المسيح ، ولا من تلاميذ تلاميذه ، ولم يَر السيد المسيح في حياته ، بل كان يهوديًا متعصبًا على المسيحية.
- إنجيل يوحنا : وكتب بعد رفع السيد المسيح باثنتين وثلاثين سنة،ورغم تناقض هذه الأناجيل واضطرابها ، واختلافها فيما بينها ــ نتيجة التحريف والتبديل ــ إلا أنَّ فيها قلة من النصوص تتفق في مضمونها مع ما في القرآن الكريم ، مما يُطَمئن القلب إلى أن يد التحريف والتبديل لم تمسَّ هذه المضامين العامة ، بغض النظر عن العبارات التي صاغ بها أولئك التلاميذ تلك المعاني الربانية .
والحجاب الذي نتحدث عنه أحد هذه المعاني التي اشتمل عليها الإنجيل ، وكان معروفًا ومطبقًا في تلك الأيام التي سادت فيها الشريعة المسيحية التي بشَّر بها السيد المسيح « عيسى بن مريم » صلوات الله تعالى وسلامه عليه، وكيف لا يكون ذلك وهو فضيلة خُلقية ، ووقاية اجتماعية.
وما أكثر ما حفلت الشريعة المسيحية ــ قبل تحريفها ــ بأمثال تلك الفضائل ، حيث اعتنت بالجوانب الخُلقية عناية كبيرة، ومما جاء يدل على الحجاب: فقد وصف بولس الرسول في رسالته لأهل كورِنْثُوس الأولى للنقاب بأنه شرف المرأة.
كما جاء في ذات الرسالة: التنفير من كشف المرأة عن رأسها ، وعقوبة منْ لا تستره بقص شعرها.
حيث قال: « كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطّى  ، فتشين رأسها لأنها والمحلوقة شيء واحد بعينه، إذ المرأة إن كانت لا تتغطَّى  فَلْيُقصَّ شعرها وإن كان قبيحًا بالمرأة أَنْ تُقصَّ أو تحلق فَلْتتغَطّ »
ويقول أيضًا : « احكموا في أنفسكم، هل يليق بالمرأة أن تصلي إلى الله وهي غير مغطاة »(11)
خروج النساء من كاتدرائية سان ألبينو الرومانية الكاثوليكية بعد قداس الإخلاص عام 190
ولم تقف تعاليم المسيحية عند هذا الحد ، بل نقرأ في الإنجيل نهيَ النساء عن الحديث في الكنيسة فقد جاء في الرسالة السابقة : « لِتصمُت نساؤكم في الكنائس ، لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن ، بل يخضعن كما يقول الناموس أيضًا،ولكن إن كنَّ يُردْن أن يتعلمنَ شيئًا فليسألنَ رجالهن في البيت ، لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في كنيسة »(12)
العصر الاجاهلي
(7) الحجاب عند عرب الجاهلية:
عرفت العرب في جاهليتها الحجاب ، فكانت تعتبره من سنن المحبة فالبنت عندهم إذا بلغت سن الزواج ، تعرض على الحي ليتزوجها ، ثم لا تحسر عن وجهها إلى عند نزول المصيبة، و عرف الحجاب عندهم بصور متعددة ، فمنه ( القناع ) ، كما قال الشنفري يصف زوجته:
لَقَد أَعجَبَتني لا سَقوطاً قِناعُها ***
                    إِذا ما مَشَت وَلا بِذاتِ تَلَفُّتِ
و منها الخمار و البرقع و النقاب و الجلباب و العباءة و الأزرار و الملحفة و الدرع و الهودج ، و هو محمل المرأة، وتجد في شعر عنترة العبسي قوله في قصيدته:
وَكَشَفتُ بُرقُعَها فَأَشرَقَ وَجهُها ***
                  حَتى أَعادَ اللَيلَ صُبحاً مُسفِرا
وفي قصيدته التي مطلعها:
فُؤادٌ لا يُسَلّيهِ المُدامُ ***
                         وَجِسمٌ لا يُفارِقُهُ السَقامُ
قال:
لَها مِن تَحتِ بُرقُعِها عُيونٌ ***
                     صِحاحٌ حَشوُ جَفنَيها سَقامُ
وله أيضاً:
جُفونُ العَذارى مِن خِلالِ البَراقِعِ ***
                أَحَدُّ مِنَ البيضِ الرِقاقِ القَواطِعِ
وفي معلقته قال:
إِن تغد في دوني القِناعَ فَإِنَّني ***  
                     طَبٌّ بِأَخذِ الفارِسِ المُستَلئِمِ
وأغدقت المرأة قناعها، أي أرسلته على وجهها كما في جمهرة اللغة وغيرها،وكانت النساء تلبس الحجاب على أنواع: منهن  تستر جميع جسدها إلا الصدر و العنق و تزينه بالذهب و ما شابهه.
و منهن منْ تستر بدنها كله ، و لا تكشف منه شيء ، ولكنها تخالط الرجال ، و تجلس بقربهم جنباً لجنب.
و منهن منْ تكشف بعض خصلات من شعرها .
و منهن لا يسترن إلا قليلا من أبدانهن مع كشف الشعر ، و المتن ، و العنق إلى أخره. و لذلك قال الله تعالى( وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لَاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى )(13)
انقلاب الموضة حيث كانت ازياء النساء فى سنة 1826 واسعه فضفاضة وازياء الرجال ضيقة
تلك كانت مجرد لمحة مختصرة لما كان عليه الحجاب قبل الإسلام، والذي يتضح من خلالها أن الحجاب كان نظاما معروفا قبل الإسلام، فمنْ يقرأ العهد القديم وكتب الأناجيل يُدرك أن حجاب المرأة، كان معروفا بين العبرانيين من عهد إبراهيم خليل الرحمن – عليه السلام – كما أنه ظل معروفا بينهم في أيام أنبيائهم جميعا إلى ما بعد ظهور المسيحية، فقد تكرر ذكر البرقع في غير موضع من تلك الكتب جميعا.
فالحجاب في الشريعة اليهودية كان معروفًا ومطبقًا عندهم في أيام أنبيائهم، وأشارت إليه كتبهم، بدليل ذكر البرقع في غير موضع من العهد القديم.
وكذلك الشريعة المسيحية فهي شريعة سماوية بعث الله تعالى بها سيدنا (عيسى) عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه (الإنجيل)، وقد حرمت كشف المرأة عن رأسها.
كما كان الحجاب منتشرا في الجزيرة العربية، فكان القوم وهم يتنقلون خلف العشب والكلأ يقسمون الخيام إلى قسمين: قسم للرجال، وآخر للنساء، وكان يحرم على الأجنبي رؤية تلك النسوة، وخير دليل على ذلك ما ورد في الشعر الجاهلي، معبرا عن هيام الشعراء بالنساء، اللاتي لُذن بالخدر عن أعين الغرباء – مثل المنخَّل اليشكري الذي هام حبا في فتاة الخدر قائلا:
ولقد دخلت على الفتاة  
                         الخدر في اليوم المطير
 هذا ولا ينبغي علينا ألا نغفل ما ذكرناه عند الحديث عن مكانة المرأة قبل الإسلام حيث وجدنا المرأة في العديد من البلدان قعيدة الدار في الجزء الخلفي حبيسة لا ترى القوم، ولا ترى منْ يأتي إلى الدار مثلما كان الحال في الهند وغيرها.
 
صورة رسمت قديما في مجلة فرنسية فكاهية وهى تبين كيف تطورت الازياء الفرنسية فى القرنين الاخيرين الـ 18 والـ 19ولكنها اقتصرت من ذلك على مظهر الارجل
 المراجع:
(1)           تطور المرأة عبر التاريخ ص /35 ــــ 36.
(2)           درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية 7/80.
(3)           تطور المرأة عبر التاريخ ص /35 ــــ 36
(4)            المرأة في القرآن: العقاد ص 57.
(5)           الحجاب في الأديان: لجين عبد الله: مجلة الجامعة العراقية.
(6)           آل عمران : 112.
(7)           هداية الحيارى ص / 8 .
(8)           سفر التكوين ، الإصحاح الرابع والعشرون / 63 ــــ 66.
(9)           سفر التكوين ، الإصحاح الثامن والثلاثون / 11 ــــ 14.
(10)     سفر إشعياء ، الإصحاح الثالث / 14 و 16 ــــ 24 .
(11)     الرسالة الأولى لبولس إلى أهل « كورِنثوس ». الإصحاح الحادي عشر / 4 ــــ 6 .
(12)     الرسالة الأولى لبولس إلى أهل « كورِنثوس » ، الإصحاح الرابع عشر / 34 ــــ 35 . و« الناموس » هو : الوحي .
(13)     سورة الأحزاب – 33 -






ثالثا: الإسلام والقضاء على الرق؟!(5) ملك اليمين: السراري والإماء:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة


الباب الثالث: الإسلام والمرأة
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(5) ملك اليمين: السراري والإماء
ثالثا: الإسلام والقضاء على الرق؟!
رأينا فيما مضى كيف حث الإسلام على حُسن معاملة الرقيق، ومنع كافة أشكال الضرر عنهم سواء كان ضررا ماديا أو ضررا أدبيا، إضافة إلى العفو عما قد يصدر من الرقيق من إساءة، تلك المعاملة الكريمة من الإسلام للعبيد والإماء لا تتفق مع زعم البعض بأن الإسلام قد أساء للرقيق، وأنه لم يدعو إلى العتق بل دعي إلى الرق, وهذا الكلام ما هو إلا كذب وافتراء على الإسلام لا يقوم على حقائق ثابتة وإنما يقوم على أساس من العداوة المبنية على الكيد والحقد الذي غلف قلوب هؤلاء القوم.

قال الإمام الشعراوي ورحمه الله حول هذه النقطة :-
لقد اتهم أعداء الإسلام الإسلام زوراً بأنه هو الذي شرع الرق، ولكن الحقيقة أنه لم يبتدع أو يُنشيء الأسر والرق، ولكنه كان نظاماً موجوداً بالفعل وقت ظهور الإسلام ، وكانت منابع الرق متعددة بحق أو بباطل، بحرب أو بغير حرب، فقد يرتكب أحد جناية في حق الآخر ولا يقدر أن يعوضه فيقول: - خذني عبداً لك -، أو - خذ ابنتي جارية - ، وآخر قد يكون مَديناً فيقول: - خذ ابني عبداً لك أو ابنتي جارية لك -.
وكانت مصادر الرق – إذن – متعددة، ولم يكن للعتق إلا مصرف واحد، وهو إرادة السيد أن يعتق عبده أو يحرره، ومعنى ذلك أن عدد الرقيق والعبيد كان يتزايد ولا ينقص؛ لأن مصادره متعددة وليس هناك إلا باب واحد للخروج منه، وعندما جاء الإسلام ووجد الحال هكذا أراد أن يعالج مشكلة الرق ويعمل على تصفيته.
ومن سمات الإسلام أنه يعالج مثل هذه الأمور بالتدريج وليس بالطفرة؛ فألغي الإسلام كل مصادر الرق إلا مصدراً واحداً وهو الحرب المشروعة التي يعلنها الإمام أو الحاكم، وكل رق من غير الحرب المشروعة حرام ولا يجوز الاسترقاق من غير طريقها، وفي ذات الوقت، عدد الإسلام أبواب عتق العبيد، وجعله كفارة لذنوب كثيرة لا يكفر عنها ولا يغفرها - سبحانه وتعالى - إلا بعتق رقبة، بل إنه زاد على ذلك في الثواب الكبير الذي يناله منْ يعتق رقبة حبا في الله وإيماناً به فقال سبحانه وتعالى:{ فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ } سورة البلد: 11-13.
فإذا لم يرتكب الإنسان ذنباً يوجب عتق رقبة ولا أعتق رقبة بأريحية إيمانية، فإنه في هذه الحالة عليه أن يعامل الأسير معاملة الأخ له في الإسلام، فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه سيدنا أبو ذَر رَضي الله عنه. " إخوانكم خولكم جعلهم الله فتنة تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه ".
إذن فقد ساوى هذا الحديث الشريف بين العبد والسيد، وألغي التمييز بينهما؛ فجعل العبد يلبس مما يلبس سيده ويأكل مما يأكل أو يأكل معه؛ وفي العمل يعينه ويجعل يده بيده، ولا يناديه إلا بـ " يا فتاي " أو "يا فتاتي ".
إذن فالإسلام قد جاء والرق موجود وأبوابه كثيرة متعددة ومصرفه واحد؛ فأقفل الأبواب كلها إلا باباً واحداً، وفتح مصارف الرق حتى تتم تصفيته تماماً بالتدريج.
وبالنسبة للنساء جاء التشريع السماوي في قول الله تعالى:{ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } سورة النساء: 3
وكان ذلك باباً جديداً من أبواب تصفية الرق؛ لأن الأمة إن تزوجت عبداً مثلها تظل على عبوديتها وأولادها عبيد، فإن أخذها الرجل إلى متاعه وأصبحت أم ولده يكون أولادها أحراراً، وبذلك واصل الإسلام تصفية الرق، وفي ذات الوقت أزاح عن الأنثى الكبت الجنسي الذي يمكن أن يجعلها تنحرف وهي بعيدة عن أهلها مقطوعة عن بيئتها، وترى حولها زوجات يتمتعن برعاية وحنان ومحبة الأزواج وهذه مسألة تحرك فيها العواطف، فأباح للرجل إن راقت عواطفهما لبعضهما أن يعاشرها كامرأته الحرة وأن ينجب منها وهي أمَة، وفي ذلك رفع لشأنها لأنها بالإنجاب تصبح زوجة، وفي ذات الوقت تصفية للرق.
لماذا لم يُحرم الإسلام الرق تحريما صريحا؟!
نشهد هجمة مفتعلة من قبل بعض المرجفين وبعض المنصرين والمبشرين للأديان الأخرى بأن الإسلام قد أباح الرق ولم يحرمه وقد لوثوا عقول كثير من شباب المسلمين بهذه الأفكار ، خاصة أولئك الشباب المتغرب أو المتجه فكرياً إلى مدارس الغرب أو المدرسة الشرقية ذات العقيدة الشيوعية والعلمانية.
أمثال هؤلاء المرجفون رموا الإسلام بأنه اقر الرق عندما وضع للعبيد شرائع وأحكام فى الإسلام وأشاروا إلى بعض سور القرآن والأحاديث التي ذكرت الرق والعبودية ولكن فات عليهم أن الإسلام عندما جاء وجد كل العالم يمارس هذه التجارة وأنها ظاهرة موجودة حتى قبل الأديان السماوية التي يعتقدون فيها، فكان الرق قبل اليهودية وقبل المسيحية وعرفته كل شعوب الدنيا وكان تجارة رائجة لها أسواقها وسلعة يستثمرها التجار للثراء يُباع فيها الإنسان ويُشترى ، ولم يسلم منها حتى الأنبياء فقد استرق يوسف عليه السلام وبيع فى مصر كغلام لعزيز مصر وكان أمرا عادياُ فى ذلك الوقت.
فلما جاء الإسلام لم يصدر أمرا مباشرا بالقضاء على الرق، لأن ذلك كان سيؤدي إلى كارثة بل إلى ثورة عارمة من قبل السادة، حيث كان الرقيق يُشكلون السواد الأعظم من العمالة في مختلف الاتجاهات، وبخاصة تلك المجالات التي يأنف منها السادة، هذا بخلاف استثمار العديد من السادة لمالهم من خلال شراء العبيد والجواري، ثم بيعهم وتحقيق الربح من وراء ذلك، فكيف بالإسلام يأتي ومرة واحدة يأمر بمنع الرق والعبودية دون أن يُهيئ الناس لتقبل الأمر، وبخاصة أن هذا الأمر يتعلق بصُلب الحياة الجاهلية. 
ومن هنا أتى الإسلام بالحل للرق والعبودية من خلال عدة طرق منها:
- تحريرهم بالمال: نعم تحريرهم بالمال لأن المال هو الذي جعلهم رقيقاُ ولا يمكن لدين عدل ودين رحمة مثل الإسلام أن يُسلب أموال الناس غصبا وكان العبيد يدخلون فى مضمون المال ، وان ينتزع أموال الناس بحجة تحرير العبيد دون أن يعطيهم حقهم الذي اشتروهم به ، ولكنه وضع حلاً لذلك بان جعل تحريرهم عن طريق فك رقبة مؤمنة ، وجعل نصيب يعادل %12.5 من الزكاة لتحريرهم ( فى الرقاب ) .
- جعل تحريرهم وعتقهم قربى لله تعالى:
وجعل ثوابه عظيم وحث عليه مما يدل دلالة واضحة على رفض الإسلام للرق واسترقاق الناس ، فانظر إلى سيدنا أبوبكر الصديق وهو يعتق بلال بعد أن دفع ما طلبه أمية بن خلف من مال فداء له ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: سيدنا اعتق سيدنا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السيادة لبلال بالإيمان وساوى بينه وبينا سيدنا أبوبكر رضي الله عنهما فى الحرية والسيادة رغم انه كان عبداً.
- عمد الإسلام على تضييق بل غلق كافة منافذ الرق: ومن ثمة القضاء عليه، وهو الرق عن طريق الحرب ، وهذا ما يتأكد بعد أن أُلغي الرق سياسيا بمعاهدات دولية نجد أنها قد انتهت إلى ذات المبادئ التي جاء بها الإسلام ولم يأتي بها أي دين أخر وهي تبادل الأسرى والمعاملة بالمثل، وهو نفس المبدأ الذي جاء به الإسلام ،فليس من المعقول أن يأخذ عدو لي أولادي يسخرهم عنده لما يريد، وأنا أطلق أولاده الأسرى عندي، ولكن المعاملة بالمثل فإن منّوا نُمنّ، وإن فدوا نفد. قال تعالى:
{ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } سورة محمد – 4 –
والآن تعالوا بنا نرى كيف خطط الإسلام للقضاء على الرق دون ضياع لأموال السادة،أو ثورتهم ضد منع الرق والاسترقاق.
كيف خطط الإسلام للقضاء على الرق؟!
من القواعد الثابتة في الشريعة الإسلامية في صدر الإسلام أنها حين تُعالج القضايا التي تعود المجتمع الجاهلي على ممارستها بشكل يومي حتى ألفها وأصبحت تُشكل جزء لا يتجزأ من حياته، وأصبح تخلصه منها يمثل عبء أو مشكلة تؤرقه وقد تقض مضجعه، هذا بخلاف شيئ آخر وهو طبيعة النفس البشرية التي ترفض أن تُجبر على الفعل قسرا وعنوة كل ذلك جعل الإسلام حين يُعالج تلك القضايا ينتهج نهج التدرج فى التكاليف بمعنى أن يدفع الناس من العادات البالية الضارة إلى الأخرى التي فيها صلاح المجتمع لكن على التدريج حتى لا ينفر الناس من تعاليمه لأنه من الصعب أن يتحول الفرد أو المجتمع من الشيء إلى النقيض منه مرة واحدة وهذا ما يبدو لنا واضحا في مسألة تحريم الخمر ففي البدأ لفت القرآن الكريم نظر المسلمين أن هذه الخمر التي يحتسونها ليل نهار فيها منافع وفيها مضار ولكن ضررها أكبر من نفعها وذلك في قوله تعالى 
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) سورة البقرة -219 -
وبعد أن فهم العقل لتلك الآية وتفكر فيها وأدرك معانيها وأن خمره تضره أكثر مما تنفعه، ونمى لديه ضميره الذي شرع في توبيخه على فعل ما يضره، جاء النداء القرآني إلى منْ إلى المؤمنين قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) سورة النساء -43-
بأن يُخففوا من شرب الخمر قرب الصلاة حتى يكون العقل واعيا أثناء الصلاة ، وإذا كانت الصلاة خمسة فروض مختلفة التوقيت والمؤمن مطالب بالامتناع عن شرب الخمر قُبيل وقت الصلاة حتى لا يقف بين يدي مولاه سكرانا من شرب الخمر، فهنا يشرع المؤمن على تدريب نفسه على الامتناع عن شرب الخمر قبل كل صلاة من الصلوات الخمس وما دام تمكن من تدريب نفسه عن تجنب شرب الخمر قبل الصلاة ومنعها من نفسه، فمن السهل عليه أن يمتنع عنها بالكلية لماذا لأن ضررها أكبر من نفعها، وحتى يكون عقله واعيا في الصلاة وليس سكرانا لان الناس وقتها كانوا يشربون الخمر أكثر من الماء لما تعود الناس على اجتناب الخمر فى معظم أوقات النهار انزل الله عز وجل
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) سورة المائدة -90-
فلو أنزل الحق تبارك وتعالى قرآنا يقضي بتحريم الخمر دون نهج التدرج أي مرة واحدة لنفر الناس من الإسلام لماذا لأن المرء لا يمكنه أن يتحول من الفعل إلى ضده مرة واحدة فإذا منعوا عن الخمر مرة واحدة رجعوا إليه مرة واحدة وسبحان الله فى تدبيره لشئون خلقه إذ أن المصحات التي تعالج الإدمان فى عصرنا اليوم أخذت هذا المنهج وهو التدرج فى علاج الإدمان وذلك عن طريق سحب المخدر تدريجا من الجسد حتى لا تحدث صدمة للجهاز العصبي، وبذات الطريقة عالج الإسلام قضية الرق والاسترقاق، من بين الوسائل التي اتخذها الإسلام طريقا للقضاء على ظاهرة الرق والاسترقاق ما يلي:
(1) شراء العبيد واعتاقهم:
في بداية الإسلام اسلم كثير من العبيد ووقع عليهم ألوان بشعة من العذاب من ملاكهم فكان سيدنا أبو بكر الصديق يقوم بشرائهم واعتاقهم ابتغاء مرضات الله.
(2) جعل عتق الرقبة من الكفارات لعدد من الذنوب والآثام:
ذلك إذا اخطأ إنسان فى أمر ما فان من بين وسائل إصلاح هذا الخطأ عتق رقبة بمعنى شراء عبد أو امة ثم إطلاق سراحه بتحريره من الرق وجعله حرا لا قيود عليه، ومن تلك الذنوب التي تستوجب عتق الرقاب:
(أ) كفارة الأيمان أو الحنث في اليمين قال تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) سورة المائدة – 89 -
(ب) كفارة القتل الخطأ قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) سورة النساء – 92 –
(ج) الظهار قال تعالى (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) سورة المجادلة – 3 – 
(3) إعطاء العبد الفرصة لشراء نفسه: انشأ الإسلام نظام جديدا فى الرق يسمى بالمكاتب وهو الذي يتفق مع سيده على أن يدفع ثمن نفسه شيئا فشيئا فإذا أتم الثمن فقد أصبح حرا بل إن الإسلام جعل من حق العبد أن يدفع نصف ثمنه وهو المعروف بنصف المكاتب وعليه فانه يعامل كنصف عبد ونصف حر. (وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } سورة النور - 33 –
(4) وجوب عتق الأقرباء وذوي الأرحام:
أوجب الإسلام على المالك للرقيق ألا يكون من بينهم أحد أقاربه من ذوي الأرحام وأوجب عليه عتقه دون قيد أو شرط قال صلى الله عليه وسلم" منْ ملك ذا رحمٍ محرمٍ فهو حرّ"
(5) الجارية أم الولد:
فإذا أصاب السيد أمته، فحملت منه، ثم وضعت حُرم بيعها،  بمعنى أن الجارية إذا ولدت من سيدها ولدا فإنها تصبح حرة من وقت الولادة هي وابنها وينسب هذا الابن إلى أبيه ويرثه بعد موته.
(6) ترغيب الإسلام في عتق الرقاب، وجعل ذلك من الأعمال المقربة إلى الله – جل في علاه – والمكفرة للذنوب قال تعالى { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } * { وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ } * { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } * { فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ } * { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ } * { فَكُّ رَقَبَةٍ } * سورة البلد – 8 : 14 -
(7) مساعدة الرقيق بالمال في فك رقابهم من الرق وجعل ذلك من ضمن سُبل الإنفاق في سبيل الله قال تعالى: { لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ } سورة البقرة 177
وقوله تعالى: { إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } سورة التوبة -60-
(8) الوصية أو التدبير وذلك بأن يوصي الرجل بعتق عبده أو أمته بعد موته، فلا يحق للابن أو الوارث استرقاق ما حرره أبوه.
(9) تحريم استرقاق الحر بمعنى أن الشريعة حرمت الاستيلاء على الضعفاء وغيرهم فحُرم على المسلم  أن يأخذ حرا فيسترقه مستغلا ضعفه أو حاجته قال تعالى فى حديثه القدسي( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثمّ غدر ، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) رواه البخاريّ
وعليه فلا يحل للمسلم خطف إنسان وبيعه بل لا يحل له خطفه وتسخيره لخدمته بل لا يحل له أيضا اعتاق عبد ثم إنكار ذلك أو إعادته للرق بعد ذلك.
(10) عتق الرقيق كجزاء عن الإساءة إليه:  فقد جعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كفارة ضرب العبد عتقه، فعن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم  " .. من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه "( مسلم ).
وعن هلال بن يساف قال: عجٍل شيخ فلطم خادما له، فقال له سويد بن مقرن: عجز عليك إلا حرَّ وجهها – لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن، ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا، "فأمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن نعتقها" أحمد (5/444) مسلم (5/91) الترمذي (1542)
(11) قصر أبواب الرق على باب واحد وهو رقيق الحرب:
عرفنا أن طرق الرق كانت كثيرة قبل الإسلام أغلقها الإسلام جميعا، وقصر طريق الرق على أسرى الحرب إذا كانوا من العبيد قال تعالى:
{ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } سورة محمد – 4 –
فلقد حرم الإسلام الرق في الأسرى بعد المعارك الحربية، ففي الحرب التي ينتصر فيها المسلمون على عدوهم، يحرُم على المسلمين استرقاق الأسرى من الأحرار، فعليهم تخلية سبيلهم منًّا من المسلمين عليهم، أو أن يفتدي الأسرى أنفسهم بالمال، فرسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يسترق رجلا حرا قط، وكان استرقاق الرجال في الحرب مقصورا على العبيد، الذين يُفضلون البقاء تحت ظل الإسلام من العودة إلى سادتهم، وهذه هي الحالة الوحيدة التي سمح فيها الإسلام بالرق، مع تصويته بحسن معاملة مثل هذا النوع من الرقيق، وهذا أقصى ما وصل إليه العالم في عصره الحديث حين أبرم المعاهدات الدولية لمنع الرق.
هذه هي بعض الجوانب اليسيرة في معاملة الإسلام للرقيق من العبيد والإماء، وفيها يظهر مدى تقدير الإسلام لآدمية وإنسانية الرقيق، أما السراري والإماء فقد شجع الإسلام على الزواج منهن، بل جعل مجرد ولادة الجارية بعد حملها من سيدها مؤشر على تحريم بيعها أو هبتها، وكل أولادها من سيدها أحرار، وهي بعد موت سيدها، إن لم يعتقها في حياته، فهي حرة، لها ما للحرائر من حقوق واجبة النفاذ.
أبعد ذلك يمكن القول بأن الإسلام كان يُشجع على استمرار الرق؟! أو أنه قد أهدر قيمة وإنسانية المرأة من خلال السراري والإماء أو ملك اليمين؟! وأترك لكم الإجابة؟!
تمثال الحرية:
إن تمثال الحرية الذي يُعتبر رمزاً لبلاد الأمريكان قد أُقيم رمزاً للحرية التى ُأسبغت على 112 مليون هندى أحمر؟!
وهو رمز لحرية عشرات الملايين من الأفارقة المساكين الذين جرى خطفهم وجلبهم بالقوة إلى الجنَّة الأمريكية للعمل الشاق حتى الموت من أجل تحقيق الحلم الأمريكى؟
إن تمثال الحرية قد أقيم على جثث وجماجم عشرات الملايين من البشر الذين تمت إبادتهم جماعياً بشكل لم يحدث مثله لحيوانات الغابات، فلو حدثت هذه الإبادة ضد الحيوانات لأقامت جمعيات الرفق بالحيوان فى الغرب الدنيا ولم تقعدها،أما إبادة مائة مليون هندى أحمر فهو أمر يؤسف له - على حد زعمهم- ولكنه كان ضروريًا لأمن البلاد فقد كان أبو الحرية الأمريكية المزعومة- جورج واشنطن- نفسه يملك ثلاثمائة عبد وجارية فى مزرعته الخاصة ، ولم يحرر منهم واحداً قط.
ويحكى المؤرخون الأوربيون المنصفون قصصاً يشيب لهولها الولدان:
- فقد كان الغزاة البيض يشعلون النار فى أكواخ الهنود ، ويقيمون الكمائن حولها ، فإذا خرج الهنود من أكواخهم هاربين من الحريق ، يكون رصاص البيض فى انتظار الرجال منهم ، بينما يتم القبض على الأطفال والنساء أحياء لاتخاذهم عبيداً!
- كتب أحد الهولنديين قائلاً : (انتزع البيض بعض الأطفال الهنود الصغار من أحضان أمهاتهم وقطعوهم إرباً أمام أعينهن, ثم ألقيت الأشلاء فى النيران المشتعلة أو النهر !! وربطوا أطفالا آخرين على ألواح من الخشب ثم ذبحوهم كالحيوانات أمام أعين الأمهات) إنه منظر ينفطر له قلب الحجر – كما يقول الهولندى الراوى نفسه –
- كما ألقوا ببعض الصغار فى النهر ، وعندما حاول الآباء والأمهات إنقاذهم لم يسمح لهم الجنود بالوصول إلى شاطئ النهر ، ودفعوا الجميع - صغاراً وكباراً – بعيداً عن الشاطئ ليغرقوا جميعاً. 

والقليل جداً من الهنود كان يمكنه الهرب ، ولكن بعد أن يفقد يداً أو قدماً ، أو ممزّق الأحشاء برصاص البيض.. هكذا كان الكل إما ممزّق الأوصال ،أو مضروباً بآله حادة أو مشوّهاً بدرجة لا يمكن تصور أسوأ منها
- تم نقل أعداد هائلة من العبيد الهنود إلى جزر الهند الغربية للعمل بالمزارع الشاسعة هناك أو لبيعهم لآخرين .. كما شُحن مئات الألوف منهم شمالاً إلى نيوانجلند و(نيويورك) حيث مقر الأمم المتحدة ، وتمثال الحرية.
- فضح المؤرخ (لا كاس) جرائم الإسبان فى أمريكا الجنوبية بكتابه الشهير (تدمير الهنود الحمر) و أثار القضية أمام المحاكم الأسبانية فلجأت الحكومة هناك إلى تهدئة الرأى العام الثائر بإصدار قانون يمنع استعباد الهنود بشكل شخصى ، لكن النصوص- كما يقول لا كاس- لم تعرف سبيلها إلى التطبيق الواقعى أبداً فى الأمريكيتين.
- بعد أن أباد البيض معظم الهنود الحمر رأوا أنهم لن يتمكنوا من استصلاح وزراعة عشرات الملايين من الأفدنة فى القارة الجديدة – أمريكا – بدون جلب الملايين من الأيدى العاملة الرخيصة، وتفتقت أذهان الشياطين عن خطة جهنمية بدأت كل دول أوروبا الغربية تقريباً تنفيذها.
إن الزنوج الأفارقة هم من أقوى أنواع البشر وأكثرهم جلداً وصبراً وتحملاً للمشاق والأجواء القاسية ، ولهذا استقر رأى المجرمين على اصطياد أكبر عدد ممكن منهم!!
وهكذا تكالبت الوحوش البيضاء المسعورة على الفريسة المسكينة- أفريقيا – تنهش فلذات أكبادها بلا ذرة من رحمة أو إنسانية آلاف السفن الأوروبية المحملة بالجنود المسلحين بالبنادق والمدافع تقاطرت على الساحل الغربى للقارة السوداء حاملة الموت والخراب لأغلب سكانها، والخطف والاستعباد والإذلال مدى الحياة لمن بقى منهم على قيد الحياة.
- تقول المصادر الأوروبية ذاتها: إن جيوش إنجلترا وبلجيكا والبرتغال وألمانيا وفرنسا وهولندا وأسبانيا – ذات التسليح المتقدم الذى لا يمكن مقارنته بالسيوف والحراب التى لا يملك الأفارقة غيرها – لم تجد صعوبة كبيرة فى السيطرة على الساحل الغربى لأفريقيا المطل على المحيط الأطلنطى.
وخلال خمسين عاماً فقط تم خطف وترحيل ما بين 15 إلى 40 مليوناً من الأفارقة حيث تم بيعهم كعبيد فى أسواق أمريكا وأوروبا.
المصادر الغربية ذاتها تؤكد أنه من بين كل عشرة أفارقة كان يتم أسر واحد فقط واستعباده، بينما يلقى التسعة الآخرون مصرعهم إما برصاص الغزاة البيض، وإما جوعاً و عطشاً أو انتحارًا من على ظهر السفن التى كانوا يحشرون فيها كالماشية،وكثير منهم كان يلقى حتفه اختناقاً بسبب تكديس المئات منهم فى أقبية السفن فى مساحة عدة مترات بلا تهوية أو طعام أو مراحيض.
وكثيراً ما كان البحارة يقتلون المئات من الضحايا ويلقون بجثثهم فى البحر، وعلى ذلك فإن ما لا يقل عن مائة مليون أفريقى قد لقوا حتفهم فى 50 عاماً فقط خلال ملاحم اصطياد العبيد من القارة المنكوبة.
- تذكر دائرة المعارف البريطانية أن الإنجليز كانوا يشعلون النيران فى الأحراش والأشجار المحيطة بأكواخ الأفارقة ، فيضطر هؤلاء المساكين إلى الخروج من مساكنهم هرباً من النيران ، فتتلقفهم رصاصات القناصة لقتل الرجال, بينما يتم أسر الأطفال والنساء، ثم ترحيلهم إلى مراكز لتجميع العبيد على طول الساحل الغربى الأفريقى تمهيداً لنقلهم بالسفن عبر المحيط الأطلنطى فى رحلة بلا عودة، وهذا هو الأسلوب ذاته الذى جرى استخدامه لاصطياد الهنود الحمر ، كما يصطادون الوحوش والحيوانات غير الأليفة من الغابات.
لا يمكن الوقوف بالضبط على الأرقام الحقيقية للضحايا سواء من القتلى أو ممن سقطوا فى فخاخ الاستعباد حتى الموت، ولكن من المؤكد أن الأرقام أعلى بكثير مما تذكره المصادر الغربية، ويكفى أن كاتباً غربياً كبيراً ذكر أن عدد القتلى فى دولة واحدة هى الكونجو بلغ عشرة ملايين إفريقى فى عهد الملك الطاغية (ليوبولد) الذى دمر شعباً بأكمله ، وعرقل مسيرة الكونجو لمئات السنين بسبب نهمه وجشعه وإجرامه. 

- يقول آدم هو تشيلد فى كتابه (شبح الملك ليوبولد): (إن هذا الطاغية قتل كل هؤلاء خلال 23 عاماً فقط حكم خلالها الكونجو التى كان يدعيها مستعمرة مملوكة له شخصياً بكل ما عليها من بشر وثروات وحيوانات)
وقد كان الأوروبيون مثل (ليوبولد) فى الكونجو ، والفرنسيون فى مناطق أخرى ، والبرتغاليون فى أنجولا ، والألمان فى الكاميرون ، والإنجليز فى دول أخرى عديدة قد وضعوا نظاماً إجرامياً للسخرة لاستخراج المطاط والذهب وغيرها من كنوز القارة السوداء التى نهبها المجرمون، كما سرقوا فلذات أكباد الأفارقة ,وعطلوا مسيرتهم مئات السنين، ولم يتركوا لهم سوى الموت والخراب الشامل والتعاسة التى لم يفلت منها أحد.
ويعدد (هوتشيلد) وغيره من المؤلفين الغربيين الفظائع التى ارتكبها الأوروبيون فى أفريقيا، فقد كان الشنق وتعليق الجثث على الأشجار, وقطع الأيدى والأقدام والأذن وغيرها أمراً شائعاً مارسه المحتلون على اختلاف دولهم وهوياتهم.
وكان من المألوف الإجبار على العمل المتواصل تحت الشمس الحارقة بلا ماء أو طعام كاف، والربط بالسلاسل الحديدية ، وحرق قرى بأكملها عقاباً على أية بادرة تذمر، وكان هناك نوع من الكرابيج يصنعه الجلادون خصيصاً من جلد الخرتيت بعد أن يتم تجفيفه وتقطيعه بطريقة تترك أطرافه حادة وقاطعة.
ويقول هوتشيلد أن عشرين جلدة بهذه الكرابيج كانت كافية ليفقد المجلود الوعى تماماً ، فإذا ارتفع عدد الضربات إلى مائة جلدة بتلك الكرابيج الشيطانية فإن المجلود يلقى حتفه فوراً.
وإذا كان زبانية (ليوبولد) يستخدمونها ضد التعساء فى الكونجو, فقد كان الفرنسيون يستخدمونها بضراوة أشد فى (برازافيل)، ولم تكن ألمانيا بعيدة عن الميدان ، فقد أباد الألمان شعباً بأكمله هو قبائل (الهيريرو) فيما يعرف الآن بناميبيا.
تكفى قراءة فقرة واحدة من تعليمات القائد الألمانى لجنود الاحتلال عام 1904م لإدراك هول ما حدث ووحشية السادة البيض، لقد ورد فيها :( كل هيريرو – إفريقى – يوجد يجب أن يُقتل سواء كان يحمل سلاحاً أم لا وسواء كانت لديه ماشية أم لا، ولا يجوز إعتقال أى رجل ، يجب فقط أن يُقتل)
- كانت البرتغال كذلك من أكثر دول أوروبا تورطاً فى الرق، وقد تتبع القسيس البرتغالى فرناندو دى أليفيرا في كتابه (فن الحرب فى البحر) كيف كان تُجار الرقيق من البرتغاليين بقيادة صديقه القس (لاس كاساس) أكبر النَخّاسين فى عصره يقومون بترحيل مئات الألوف من العبيد الأفارقة عبر المحيط الأطلنطى بعد خطفهم وانتزاعهم من أسرهم وتقييدهم بالسلاسل.
وبحسب ما ذكر إليفيرا كان يصاحب كل سفينة قسيس ليقوم بتنصير العبيد مقابل مبلغ مالى يتقاضاه عن كل رأس، وحققت الكنائس الأوروبية ثروات هائلة من تلك الرسوم التى تتقاضاها من النَخَّاسين.
- كما شاركت هولندا أيضاً فى تجارة العبيد ، حيث طافت مئات من السفن الهولندية موانئ أفريقيا الغربية منذ القرن السادس عشر لنقل ملايين من العبيد إلى أوروبا وأمريكا، بل كانت جزيرة (جورى) التى يجمعون فيها العبيد تمهيداً لنقلهم عبر الأطلنطى تحت سيطرة الهولنديين الى أن باعوها للإنجليز عام 1872م..
وكانت بعثات التبشير الهولندية متورطة فى أخسّ تجارة عرفتها البشرية، ويبدو أنهم اكتشفوا أن خطف واصطياد الأفارقة المساكين واستعبادهم يدر من الأرباح أضعاف ما يجلبه العمل على تغيير عقائدهم باسم الرب الذى يزعمون.
- يكشف (هيوتوماس) سبباً اّخر لاختطاف الأفارقة واستعبادهم وهو الإنتقام البربرى، يقول في ذلك: (الحقيقة أن البرتغاليين وغيرهم كانوا يصطادون الإفريقيين ويحولونهم إلى عبيد محض انتقام من الأفارقة المغاربة بسبب سيطرتهم على أسبانيا والبرتغال، فقد كان أسلاف هؤلاء المغاربة من المسلمين قد سيطروا على أسبانيا والبرتغال لمئات من السنين)

وهذا يؤكد - كما شهد هيوتوماس - أن القوم لم ينسوا أحقادهم رغم أن المسلمين - كما شهد مؤرخو الغرب – قدموا للغرب وللعالم كله أياد بيضاء طوال حكمهم للأندلس فقد نشروا العلوم والمعارف والحضارة فى تلك العهود، وعاملوا غير المسلمين بالأندلس بكل عطف ورحمة!!
يؤيد ما قاله هيوتوماس أن البابا يوجينياس الرابع أعلن رعايته لحملات الاستعباد التى يقوم بها الملك هنرى فى أفريقيا !!
وفى الفترة من1450 حتى 1460 م عقد البابا نكولا الخامس وكالكاتاس الثالث صفقة لاسترقاق الأفارقة مقابل تعميد العبيد ودفع 300 كراون للكنيسة عن كل رأس!!
بل أرسل أحد الأساقفة سفينة لحسابه فى إحدى الحملات!!
وقد لجأ البيض إلى أساليب شيطانية لقمع العبيد وقهرهم والسيطرة عليهم، وقننوا هذا كله بتشريعات تشكل وصمة عار لأى نظام قانونى فى التاريخ.
وقد كان القانون الذى يتناول أحوال الرقيق يُعرف فى كل أمة من الأمم المعاصرة بالقانون الأسود، وعلى سبيل المثال كان القانون الأسود الفرنسى الذى صدر سنة (1685) ينص على أن الزنجى إذا اعتدى على أحد الأحرار أو ارتكب جريمة السرقة عوقب بالقتل أو بعقاب بدنى آخر ، أما إذا أبق العبد فإن نص القانون أن الآبق فى المرة الأولى والثانية يتحمل عقوبة صلم الأذنين والكى بالحديد المحمى ، فإذا أبق الثالثة قُتل، وقتل الآبق كان معمولا به أيضاً فى انجلترا، فقد نصت شريعتهم على أن من أبق من العبيد وتمادى فى إباقه قتل، ودام الحال على هذا فى فرنسا حتى قامت ثورة 1848 م. 
افتتاح متحف العبودية والإعدام بلا محاكمة في الولايات المتحدة
- أما فى أمريكا فكان القانون فى غاية الشدة والقسوة ، وكان مقتضى القانون الأسود أن الحرّ إذا تزوج بأمة صار غير جدير بأن يشغل وظيفة فى المستعمرات، وكانت القوانين تصرح بأن للسيد كل حق على عبده حتى حق الاستحياء والقتل.
وكان يجوز للمالك رهن عبده وإجارته والمقامرة عليه وبيعه كأنه بهيمة، ولم يكن يحق للأسود فى أن يخرج من الحقل ويطوف بشوارع المدن إلا بتصريح قانونى، ولكن إذا أجتمع فى شارع واحد أكثر من سبعة من الأرقاء ولو بتصريح قانونى كان لأى أبيض إلقاء القبض عليهم وجلدهم.
وهذه النصوص كانت مطبقة فى كل أنحاء الأمريكتين .
ويقدر الباحثون أعداد السكان الأصليين الذين أبادهم الغزاة الأوروبيون بأكثر من مائة مليون هندى أحمر، ولم يتورّع السادة البيض الذين أسسوا ما يسمى الآن بالولايات المتحدة الأمريكية عن استخدام أحط الوسائل وأخس السُبل للقضاء على الهنود الحمر ، ومنها تسميم آبار المياه التي يشرب منها السكان الأصليون ، وحقنهم بالفيروسات وجراثيم أشد الأمراض فتكاً مثل الطاعون والتيفود والجدرى ومسببات السرطان.
ويحاول المؤرخون الأمريكيون التقليل من أعداد الضحايا زاعمين أنهم حوالى مليونين فقط، وفى إحصاء عام 1900م قللوا الرقم إلى مليون لا غير.
وكان القانون الأمريكى الذى ظل سارى المفعول حتى عام 1865م ، ينص على حق الأمريكى الأبيض فى الحصول على مكافأة مجزية إذا قدم لأى مخفر شرطة بالولايات المتحدة فروة رأس هندى أحمر.
ويذكر المؤرخون أن 80 بالمائة من هنود كاليفورنيا مثلاً أبيدوا خلال عشرين عاماً فقط ، وهلك الباقون بسبب العمل الشاق حتى الموت بالسُخْرة فى سبيل رفاهية السادة البيض.
وكان اكتشاف مناجم الذهب والمزارع الشاسعة فى كولورادو وغيرها من ولايات الذهب وبالاً على الهنود المساكين ، إذ دفعت رغبة البيض المجرمين فى الحصول على أيدى عاملة رخيصة إلى تنشيط أخس وأقذر تجارة فى التاريخ بأمريكا، وهى خطف الأطفال والشباب لاستعبادهم.
ولذلك نشطت تجارة خطف أطفال الهنود من مختلف مناطق أمريكا، وكانت صحف تلك الفترة تمتلىء بصور الشاحنات المكتظة بأطفال الهنود الحمر المتجهة عبر الطرقات الريفية إلى أسواق العبيد فى سكرامانتو وسان فرانسيسكو ليتم بيعهم إلى أصحاب المناجم والمزارع. 
الكونغرس الأميركي يناقش منح تعويضات لأحفاد العبيد
ومع نهاية القتال فى سنوات الاحتلال الأولى ، زاد الإقبال على خطف الفتيات - بصفة خاصة – فَهُن يقدمن خدمة مضاعفة للسادة البيض.
وأما الآباء الهنود المساكين فإن الغضب والأسى ، الناجم عن خطف واغتصاب واستعباد فلذات أكبادهم ، كان معناه أنهم - فى نظر الأسياد البيض - عناصر شغب تستحق الإعدام فوراً وبلا محاكمة!!
وبذلك تحول الخاطفون إلى أبطال وطنيين أمريكيين يساهمون فى التخلص من المشاغبين الهنود الذين يشكلون خطراً داهماً على أمن الدولة الأمريكية الناشئة !!!
- يقول المؤرخون أن هذه القرصنة وجدت منْ يقنّنها ويضفى عليها الشرعية التامة عبر قانون أصدره برلمان ولاية كاليفورنيا فى أول جلسة تشريعية له فى عام 1850م ، وأصبح خطف الهنود الحمر واستعبادهم بموجب ذلك التشريع عملاً قانونياً يستحق فاعله الثناء والتكريم، وبموجب تعديلات أضيفت عام 1860م تم إجبار عشرة ملايين هندى أحمر على القيام بأعمال السخرة حتى الموت.
ولم تمض سنوات على هذا التشريع الإجرامى حتى ضاق حاكم الولاية بيتر بيزنت ذرعاً بالسُخْرة، فوجه رسالة إلى المجلس التشريعى قال فيها : (إن الرجل الأبيض الذى يعتبر الوقت من ذهب ، والذى يعمل طوال النهار ، لا يستطيع أن يسهر طوال الليل لحراسة أملاكه،وليس أمامه خيار آخر سوى شن حرب إبادة، إن حرباً قد بدأت فعلاً ، ويجب الاستمرار فيها حتى ينقرض الجنس الهندى تماماً)
وهكذا أباد السادة البيض 112 مليون هندى أحمر ، وأُبيدت معهم حضارات (المايا) و(الأزتيا) و(البوهاتن) وغيرها لإقامة أمريكا زعيمة النظام العالمى الجديد.
فبالله عليكم هل هناك وجه للمقارنة بما فعله الإسلام للقضاء على الرق؟! وبما فعله الغرب الأوربي والأمريكي بالرق والرقيق في بلاد الحرية والرفق بالحيوان؟!

المراجع:
انظر:
(1) الإسلام محرر العبيد - التاريخ الأسود للرق فى الغرب لحمدى شفيق، رئيس تحرير جريدة النور الإسلامية.
(2) قصة الحضارة:1/36-37 و 1/ 356 و 3/64-67..
(3) م. ب . تشارلز - الإمبراطورية الرومانية - طبعة الهيئة المصرية للكتاب.
(4) دائرة معارف القرن العشرين.