السبت، 3 مارس 2018

(7) مكانة المرأة في بلاد فارس: الباب الثاني:مكانة المرأة في العصور التاريخية المختلفة


(7) مكانة المرأة في بلاد فارس: الباب الثاني:
كان الفرس إحدى القوتين العظميين في العالم : فارس والروم ، وبلغوا غايةً من القوة وبسط النفوذ والسلطان على كثير من الممالك ، مما زاد من غنى الإمبراطورية الفارسية نتيجة ما يجبى إليها من خيرات هذه الممالك ، وكان الفرس رجالاً أشاوس في حروبهم ، وأبطالاً من الشجاعة والقوة بمكان ، سيطروا على كثير من الأمصار ، وسنوا القوانين ، ووضعوا الأنظمة ، أحكموا قبضتهم ، وحكموا بالعدل في كثير من الأحيان واشتهروا بذلك .
أما فيما يتعلق بالمرأة فكانوا على النقيض من ذلك ، سنوا لها قوانين ، لكنها كانت ظالمة ، ووضعوا لها الأنظمة ، لكنها كانت جائرة ، تفرض عليها أشد العقوبات لأقل الهفوات ، في وقت كان الرجل له مطلق الحرية دون حساب ، والعقاب لا يكون إلا على المرأة ، وويل لها إذا تكررت الخطيئة منها ، حيث لا مناص حينئذ من القتل .
المجوس عبدة النار

وكان محجوراً على المرأة في بلاد فارس أن تتزوج من رجل غير زرادشتي ، وأما الرجل فله مطلق الحرية في التصرف على هواه .
وكان من جملة معاناة الأنثى عندهم أنها وفي فترة الطمث تنفى من مكانها إلى مكان بعيد خارج المدينة ، ولا يجوز لأحد مخالطتها إلا الخدم الذين يقدمون لها الضروريات من طعام وشراب وغيرها .
فلم يكن حال المرأة في بلاد فارس بأفضل من حال غيرها في بقية البلدان في تلك الأزمنة. بل وصل بها الحال في هذه البلاد إلى حد احتجابها حتى عن محارمها كالأب والأخ والعم والخال فلا يحق لها أن ترى أحداً من الرجال إطلاقاً.
زرادشت

زرادشت والمرأة:
يقول الدكتور محمود نجم آبادي في كتاب (الإسلام وتنظيم الأسرة): نلاحظ أن قوانين زرادشت، كانت جائرة وظالمة بحق المرأة، فإنها كانت تعاقبها أشد العقوبة إذا صدر عنها أقل خطأ، أو هفوة بعكس الرجل فإنها قد أطلقت له جميع الصلاحيات يسرح، ويمرح، وليس من رقيب عليه فهو له مطلق الحرية لأنه رجل ولكن الحساب والعقاب لا يكون إلا على المرأة!!!!
ويقول أيضا: كان أتباع زرادشت يمقتون النساء، وحالما كانت تتجمع لدى الرجل براهين على عدم إخلاص الزوجة، كان لا مفر لها من الانتحار.
وقد ظل هذا القانون سارياً حتى عهد الأكاديين، وفي عهد الساسانيين خفف هذا القانون، بحيث صارت المرأة تُسجن جزاء عدم إخلاصها أول مرة، و إذا كررت عملها صار لا مفر لها من الانتحار.
ويقول أيضا: بينما كان يحق للرجل من أتباع زرادشت أن يتزوج من امرأة غير زرادشتية فإنه لم يكن يحق للمرأة أن تتزوج من رجل غير زرادشتي وهذا القانون على المرأة فقط كما أسلفنا.
فلقد كان الفرس يقولون بأن المرأة من حقوق الرجل، وله قتلها، والحكم عليها بالموت، إذا بدا له ذلك، وهي عنده سلعة يتصرف فيها كيف يشاء، كما يتصرف بسائر ممتلكاته، لا حظ لها من التعليم، ولا يجوز خروجها من البيت، ولكنها تُخبأ فيه، وتُحجب كالأمتعة الخاصة بصاحب البيت (1) أستاذ المرأة: محمد بن سالم البيجاتي ص 15
زرادشت وتلاميذه
زواج المحارم:
كانَتِ المرأةُ الفَارسيَّةُ عَبْدَةً سَجِيْنَةَ مَنْزِلِهَا، تُبَاعُ بَيْعَ السَوائِمِ، فقَد أَبَاحَتِ الأنْظِمَةُ الفَارسيَّةُ بِيْعَهَا وشِراءَهَا، وكانَت تَحْتَ سُلْطَةِ الرجلِ المُطْلَقَةِ، ويَحِقُّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عليهَا بالمَوتِ دُوْنَ رَقِيْبٍ أو مُؤَاخَذَةٍ، ويَتَصَرَّفُ بِهَا تَصَرُّفَهُ بِسِلْعَتِهِ ومَتَاعِ بيتِهِ، وكانُوا إذا حَاضَتِ المرأةُ أَبْعَدُوهَا عَنِ المَنَازِلِ، وجَعَلُوهَا في خَيْمَةٍ صَغِيْرَةٍ خَارِجَ المَدينَةِ، ولا يُخَالِطُ الحُيَّضَ أَحَدٌ حتى إِنَّ الخَدَمُ يَلُفُّونَ مُقَدَّمَ أُنُوفِهِم وآذَانِهِم وأَيْدِيْهِم بِلَفَائِفَ مِنَ القِمَاشِ الغَليظِ عندَ تَقْدِيمِ الطَعامَ لَهُنَّ وخِدْمَتِهِنَّ، خَوْفَاً مِن أَنْ يَتَنَجَّسُوا إذا مَسُّوهُنَّ أو مَسُّوا الأشياءَ المُحيطَةُ بهِنَّ حتى الهَواءَ.
وشَرٌّ مِن ذلِكَ كُلِّهِ أنَّ الأنْظِمَةَ الفَارسيَّةَ أبَاحَتِ الزَواجَ بالمُحَرَّمَاتِ مِنَ النَسَبِ: كالأمَّهَاتِ والأخَوَاتِ والبَنَاتِ والعَمَّاتِ والخَالاتِ وبنَاتِ الأخِ وبناتِ الأخْتِ.
 ذكر العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي(في كتابه المسمى : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص 38 ما يلي):
أما فارس التي شاطرت الروم في حكم العالم المتمدن ، فكانت الحقل القديم لنشاط كبار الهدامين الذين عرفهم العالم ، كان أساس الأخلاق متزعزعاً مضطرباً منذ عهد عريق   في القدم ، ولم تزل المحرمات النسبية التي تواضعت على حرمتها ومقتها طبائع أهل الأقاليم موضع خلاف ونقاش ، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها ، وأن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجاً بأخته.
يقولُ البُروفِسُورُ (أرتهر كرستن سين) أستاذُ الألسِنَةِ الشَرقيَّةِ في جَامِعَةِ كُوبنهاجِن بالدِنمارك، المُتَخَصِّصِ في تَاريخِ إيران.(2) إيران في عهد الساسانيين لمؤلفه : آرتهر كرستن سين ، أستاذ الألسنة الشرقية في جامعة كوبنهاجن بالدانمارك ، والمتخصص في تاريخ إيران ، ترجمة الدكتور محمد إقبال من الفرنسية إلى الأردية ص 439 .
إنَّ المُؤَرِّخِينَ المُعَاصِرينَ للعَهْدِ السَاسَانِي مثلَ (جاتهياس) وغيرَهُ، يُصَدِّقُونَ بِوُجُودِ عَادَةِ زَواجِ الإيرانييِّنَ بالمُحَرَّمَاتِ، ويُوْجَدُ في تَاريخِ العَهْدِ السَاسَانِي أمثلَةٌ لِهَذَا الزَواجِ، ولعَلَّ الرَحَّالَةُ الصِينِيِّ (هوئن سوئنج) أشَارَ إلى هَذا الزَواجِ بقولِهِ: إنَّ الإيِرانِييِّنَ يَتَزَوَّجُونَ مِن غَيْرِ استِثْنَاءٍ .
ماني

آثر دعوة ماني والمرأة الفارسية:
ومِنْ قَبْلِ هذا الوَقْتِ في القَرْنِ الثَالِثِ المَسيحِيِّ ظَهَرَ (ماني) في القَرْنِ الثَالِثِ المَسيحِيِّ، وكانَ ظُهُورُهُ رَدَّ فِعْلٍ عَنِيْفٍ غيرَ طبيعِيِّ ضِدَّ النَزْعَةِ الشَهَويَّةِ السَائِدَةِ في البِلادِ، ونَتِيْجَةَ مُنَافَسَةِ النُورِ والظُلْمَةِ الوَهْمِيَّةِ، فَدَعَا إلى حياةِ العُزُوبَةِ لِحَسْمِ مَادَّةِ الفَسَادِ المُنْتَشَرِ في العَالَمِ، وأَعْلَنَ أنَّ امْتِزَاجَ النُورِ بالظُلْمَةِ شَرٌّ يَجِبُ الخَلاصُ مِنْهُ، فَحَرَّمَ النِكَاحَ استِعْجَالاً للفَنَاءِ وانْتِصَارَاً للنُورِ على الظُلْمَةِ بِقَطْعِ النَسْلِ، فقَتَلَهُ (بهرام) سنةَ 276م قائِلاً: إنَّ هذا خَرَجَ دَاعِيَاً إلى تَخْريْبِ العَالَمِ، فالوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ بِتَخْريبِ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ شَيءٌ مِن مُرَادِهِن ولكنَّ تَعَالِيْمَهُ لَم تَمُتْ بِمَوْتِهِ بَل عَاشَت إلى مَا بَعْدَ الفَتْحِ الإسَلامِيِّ.

آثر دعوة مزدك والمرأة الفارسية:
ثمَّ ثَارَت رُوْحُ الطَبيعَةِ الفَارسيَّةِ على تَعَالِيمِ (مَانِي) المُجْحِفَةِ، وتَقَمَّصَت دَعْوَة (مزدك) الذي وُلِدَ 487 م فأعْلَنَ أَنَّ النَاسَ وُلِدُوا سَواءً لا فَرْقَ بينَهُم، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعِيْشُوا سَواءً لا فَرْقَ بينَهُم، ولمَّا كانَ المالَ والنِساءُ مِمَّا حَرَصَتِ النُفُوسُ على حِفْظِهِ وحِرَاسَتِهِ كانَ ذلِكَ عندَ (مزدك) أهَمَّ مَا تَجِبُ فيهِ المُساواةُ والاشتِرَاكُ.
قالَ الشهرستاني :( أحَلَّ النِساءَ وأبَاحَ الأمْوَالَ وجَعَلَ النَاسَ شِرْكَةً فيهَا كاشْتِرَاكِهِم في الماءِ والنَارِ والكَلأ ). وحَظِيَت هذهِ الدَعوةُ بِمُوافَقَةِ الشُبَّانِ والأغْنِياءِ والمُتْرَفِينَ وصَادَفَت مِن قُلوبِهِم هَوَىً، وسَعِدَت كَذلِكَ بِحَمايَةِ البَلاطِ، فَأَخَذَ (قباذ بن فيروز ) يُنَاصِرُهَا ونَشَطَ في نَشْرِهَا وتَأييدِهَا حتى انْغَمَسَت إيرانُ بِتَأثِيْرِهَا في الفَوْضَى الخُلُقِيَّةِ وطُغْيَانِ الشَهَواتِ.(3) الملل والنحل للشهرستاني ( 1 : 86 ) .
وقال الإمام الطبري: في تاريخه : افترض السفلة ذلك ، واغتنموه وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم ، فابتلي الناس بهم ، وقوي أمرهم ، حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم ، ولم يلبثوا إلا قليلاً حتى صار الرجل لا يعرف ولده ، ولا المولود يعرف أباه. (4) تاريخ الطبري ( 2 : 88 )
فلقد كانت البنت في فارس غير مرغوب فيها، وكان على الرجل الذي يولد له طفل ذكر أن يقدم شكره لله بمراسيم دينية معينة، ويوزع الصدقات، أما إذا ولدت له بنتا، فلا يقدم مثل هذا القربان، وكانت البنت لا تملك حرية اختيار زوجها، الذي سيشاركها حياتها، فقد كان الأب يزوجها بمنْ شاء دون الرجوع إليها، كما كان في وسع الرجل أن ينازل عن زوجته، أو إحداهن إلى رجل آخر، قد وقع في الفقر بغير تقصير منه، وذلك ليستعين بعملها (5) المرأة في جميع العصور والأديان محمد عبد المقصود ص 37
أحد المعابد المجوسية الزرادشتية في إيران.

المرأة الفارسية والحكم:
لم تترك المرأة الفارسية أثراً كبيراً في بلادها، فهي وإن انضمت إلى صفوف المقاتلين، لم تكن سوى مقاتلة لا تأمر ولا تنهي، على الرغم من الشواهد التي تحدثت عن بأسها وقوتها. وحتى عندما تمكنت من الوصول إلى الحكم، لم تستطع تغيير القوانين التي اضطهدت بنات جنسها على مدار القرون الماضية وقبل وصولها إلى السلطة.

ويذكر التاريخ أن سيدتان فقط وصلتا إلى العرش خلال العصور الوسطى، وهما پوران دخت التي أطلق عليها لقب (السعيدة)، ابنة مريم بنت قيصر، فحين لم يجد الساسانيون أحداً من أسرة ساسان يحكمهم من الرجال سلّموها زمام الأمور.
وفي كتاب فارس نامة لمؤلفه ابن البلخي جاء أن بوراندخت كانت عاقلة جداً وعادلة، ذات سيرة حسنة. حين أصبحت ملكة أعفت الناس من دفع الخراج، وبسطت العدل بينهم. ودام حكمها سنة وأربعة أشهر فقط. وقد حكمت فترتين، الأولى بين عامي 629م – 630م، والثانية بين 631م – 632م، وتزوجت من شهر براو.
أما المرأة الثانية فهي آزرمي دخت بنت كسرى الثاني، وشقيقة بوراندخت. أصبحت ملكة على فارس عام 631م، دام حكمها ستة شهور، وقتلت على يد رستم ابن هرمز ، فهرمز كان قد طلب يدها للزواج بها لكنها رفضت، فما لبث أن انتقم منها ابنه رستم.

مما تقدم نُدرك أن  المرأة في بلاد فارس كانت تعاني الانحطاط والذلة، نظرا لأن التقاليد القديمة كانت تهين المرأة، وتنظر إليها نظرة التعصب المذهبي الباطل، والتشاؤم بها، وقد كان الأفراد المتعصبين في الديانة الزردشتية يُحقَرون المرأة – وينتقصون من قدرها، ويعتقدون أنها سبب هياج الشرور، التي توجب العذاب والسخط لدى الإله، فالمرأة في مذهب فارس القديم، كانت تعيش تحت سلطة الزوج، الذي كان له حق التصرف في زوجته كيفما يشاء، كأنه يتصرف في جزء من ماله أو متاعه، هذا فضلا عن تعدد الزوجات التي كان منتشرا دون آية قيود أو شروط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق