الأحد، 9 يونيو 2019

(8) أم المؤمنين/ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار – رضي الله عنها:ثانيا: أحوال و ملابسات زواجه – صلى الله عليه وسلم – من زوجاته – رضي الله تعالى عنهن –(4) تعدد زوجات الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة:


الباب الثالث: الإسلام والمرأة:
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(4) تعدد زوجات الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم -:
ثانيا: أحوال و ملابسات زواجه – صلى الله عليه وسلم – من زوجاته – رضي الله تعالى عنهن –
(8) أم المؤمنين/ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار – رضي الله عنها:
نسبها:
هي بَرَّة بنت الحارث بن أبي ضرار بن مالك بن جذيمة (14 ق.هـ- 56هـ/ 608- 676م)، وجذيمة هو المصطلق من خزاعة، تزوَّجها مسافع بن صفوان المصطلقي، فقُتل يوم المُرَيْسِيع، أبوها هو الحارث بن أبي ضرار سيِّد بني المصطلق، وزعيم قومه.
وعن بن إسحاق قال: جويرية بنت الحارث كان اسمها برة بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة، من خزاعة، كانت عند ابن عم لها يقال له: مسافع بن صفوان بن ذي الشفر.
غزوة بني المصطلق:
بعد أن نصر الله رسوله – صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين على يهود بنى قريظة وعودة النبي – صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بلغه أن بنى المصطلق – وهم حي من خزاعة - يجمعون الجموع لقتاله بقيادة زعيمهم الحارث بن أبى ضرار الخزاعى.
فخرج إليهم – صلى الله عليه وسلم - ومعه من نسائه عائشة بنت أبى بكر، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له "المريسيع" من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أصاب منهم سبيًا كثيرًا قسمه في المسلمين،وكان من بين الأسرى "برة بنت الحارث بن أبى ضرار الخزاعى سيدة نساء قومها " التي سماها – صلى الله عليه وسلم - "جويرية" وتزوجها فأصبحت أما للمؤمنين وكانت بركة على قومها.
وكان عمرها وقتها عشرين سنة، فقد قال ابن عمر: أخبرني محمد بن يزيد عن جدته -وكانت مولاة جويرية بنت الحارث- عن جويرية - رضي الله عنها - قالت: تزوجني رسول – صلى الله عليه وسلم - وأنا ابنة عشرين سنة.
إسلام جويرية بنت الحارث:
كانت جويرية - رضي الله عنها - ضمن سبي بني المصطلق الذين غزاهم الرسول – صلى الله عليه وسلم - ، وكان قد قتل زوجها في هذه الغزوة، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عمه، فكاتبت على نفسها لكونها أبيه وسيدة نساء قومها، ولم يكن معها ما كاتبت عليه فذهبت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ليعينها على ذلك، فرد عليها بما هو أفضل؛ إذ عرض عليها الزواج منها وقضاء مكاتبتها، فأجابت بالقبول وأسلمت وحسن إسلامها.
ففي الحديث أنَّ السيدة عائشة أمَّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ -أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ- وَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا..، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا..، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ سَيِّدِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَصَابَنِي مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ، فَوَقَعْتُ فِي السَّهْمِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ -أَوْ لِابْنِ عَمٍّ لَهُ- فَكَاتَبْتُهُ عَلَى نَفْسِي، فَجِئْتُكَ أَسْتَعِينُكَ عَلَى كِتَابَتِي. قَالَ: «فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ»؟ قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «أَقْضِي كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ». قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»، وَخَرَجَ الْخَبَرُ إِلَى النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصْهَارُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ فَأَرْسَلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ -أي أعتقوا- من السَّبي، قَالَتْ: فَلَقَدْ أَعْتَقَ بِتَزْوِيجِهِ إِيَّاهَا مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَمَا أَعْلَمُ امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا.(1)
ولنسمع قصتها من السيدة عائشة - رضي الله عنها - حيث قالت: (لما قسم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في سهم لثابت بن قيس بن شماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لتستعينه في كتابتها.
قالت: فوالله ما هو أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت.
فدخلتْ عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لا يخفى عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو -لابن عم له - فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي.
قال: "فهل لك في خير من ذلك؟".
قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: "أقض عنك كتابك وأتزوجك".
قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت.
قالت عائشة: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قد تزوج جويرية بنت الحارث.
فقال الناس: أصهار رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى.
قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل
بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها.
وقالت جويرية – رضي الله عنها -: ( رَأَيْتُ قَبْلَ قَدُومِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثِ لَيَالٍ كَأَنَّ الْقَمَرَ أَقْبَلَ يَسِيرُ مَنْ يثْرِبَ حَتَّى وَقَعَ فِي حِجْرِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا سُبِينَا رَجَوْتُ الرُّؤْيَا، فَلَمَّا أَعْتَقَنِي وَتَزَوَّجَنِي وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ فِي قَوْمِي حَتَّى كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمُ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُمْ وَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِجَارِيَةٍ مِنْ بَنَاتِ عَمِّي تُخْبِرَنِي الْخَبَرَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ )
وفي رواية:
عاد رسول الله - صلى الله عليه و سلم - الى المدينة فبينما هو جالس يوما في حجرة السيدة عائشة - رضي الله عنها - سمعت امرأة تستأذن في لقاءه – صلى الله عليه وسلم - و قامت السيدة عائشة - رضي الله عنها - الى الباب و دخلت السيدة جويرية فقالت : يا رسول الله أنا بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه و قد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على أمري فرق قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - للعربية الخزاعية بنت سيد بني المصطلق في موقفها ببابه ضراعة إليه و ليس لها من تلوذ به في محنتها سواه.
و تكلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فقال : فهل لك في خير من هذا ؟!
فسألت : و ما هو يا رسول الله
فقال : أقضي عنك كتابتك و أتزوجك
فقالت و قد تهلل وجهها : نعم يا رسول الله
فقال – صلى الله عليه وسلم -: قد فعلت
وروى ابن سعد أنه لما وقعت جويرية بنت الحارث في السبي، جاء أبوها إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - فقال: إن ابنتي لا يُسبى مثلها؛ فأنا أكرم من ذاك، فخلِّ سبيلها.
فقال: «أَرَأَيْتَ إِنْ خَيَّرْنَاهَا أَلَيْسَ قَدْ أَحْسَنَّا»، قال: بلى، وأدّيت ما عليك، فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيّرك فلا تفضحينا، فقالت: فإني قد اخترت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-(2)
فتزوجها النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -في السنة الخامسة للهجرة، وكان عمرها إذ ذاك عشرين سنة، وكان من ثمار هذا الزواج المبارك فِكاك المسلمين لأسراهم من قومها.
وغيَّر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم اسمها-؛ فعن ابن عباس قال: كان اسم جويرية بنت الحارث برة، فحوَّل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - اسمها، فسماها جويرية.(3)
و قيل انه قد اعتق بفضل زواجها من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أهل مائة بيت من بيوت بني المصطلق فكانت امرأة عظيمة البركة على أهلها و لم تعرف امرأة لها بركتها على أهلها مثل أم المؤمنين جويرية عليها السلام.
و قيل إن أبوها الحارث جاء الى المدينة و معه ابل يفدي بها ابنته فرغب في بعيرين من الإبل فغيبهما في شعب من شعاب وادي العقيق فلما قدم قال: يا محمد أخذتم ابنتي و هذا فداؤها.
فقال – صلى الله عليه وسلم -  أين البعيران اللذان غيبتهما في وادي العقيق في شعب كذا.
فقال: أشهد أن لا اله إلا الله و انك رسول الله فوالله ما اطلع على ذلك إلا الله تعالى و أسلم و أسلم له ابنان و ناس من قومه و أرسل الى البعيرين فجيء بهما فدفع الإبل الى النبي – صلى الله عليه وسلم - و دُفعت له ابنته. فخطبها رسول النبي – صلى الله عليه وسلم -  من أبيها فزوجه إياها و أصدقها أربعمائة درهم و هي بنت عشرين سنة و ذلك في سنة خمس من الهجرة.
فضل عتقها وزواجها من النبي – صلى الله عليه وسلم – على قومها:
تعتبر غزوة المريسيع من الغزوات الفريدة المباركة التي أسلمت عقبها قبيلة بأسرها، وكان الحدث الذي أسلمت القبيلة من أجله هو أن الصحابة حرروا وردوا الأسرى الذين أصابوهم إلى ذويهم بعد أن تملكوهم باليمين في قسم الغنائم، واستكثروا على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم – صلى الله عليه وسلم - ، وحيال هذا العتق الجماعي، وإزاء هذه الأريحية الفذة، دخلت القبيلة كلها في دين الله.

الحكمة من زواج النبي – صلى الله عليه وسلم – منها:
لقد كان زواج رسول الله – صلى الله عليه وسلم -  من جويرية بنت الحارث له أبعاده، وتحققت تلك الأبعاد بإسلام قومها، فقد كان الزواج منها من أهدافه الطمع في إسلام قومها، وبذلك يكثر سواد المسلمين، ويعز الإسلام، وهذه مصلحة إسلامية بعيدة، يسر الله هذا الزواج، وباركه، وحقق الأمل البعيد المنشود من ورائه، فأسلمت القبيلة كلها بإسلام جويرية، وإسلام أبيها الحارث، فقد عاد هذا الزواج على المسلمين بالبركة والقوة، والدعم المادي والأدبي معًا للإسلام والمسلمين. وانشرح صدر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فقد تحررت رقاب رجال ونساء وولدان وإن أحب شيء إليه كان عتق الأرقاء فما بالك بأحرار عادت إليهم حريتهم بعد أن كانوا في ذل يرسفون؟!
أما ما ذكرته السيدة/ عائشة رضي الله عنها – من ملاحة أم المؤمنين/ جويرية وخوفها من أن يرى منها الرسول – صلى الله عليه وسلم – ما رأته هي، فهذا أمر مردة إلى غيرة النساء، فلم يكن مقياس أو معيار الجمال ذا شأن أو بال عنده – صلى الله عليه وسلم – فهو دائما يقدم المصلحة العامة على الخاصة، والمصلحة العامة التي ترتبت على ذلك الزوج هي دخول قبيلة بأكملها في الإسلام.
فالرسول – صلى الله عليه وسلم – خير السيدة/ جويرية بين:
·الذهاب مع أبيه الذي جاء طالبا عتقها.
وبين
·الزواج منه – صلى الله عليه وسلم –
فاختارت الزواج  منه – صلى الله عليه وسلم – تحقيقا لرؤيتها التي رأتها في نومها قبل الغزوة بثلاث ليال، فقد قالت – رضي الله عنها -  : رأيت قبل قدوم النبي – صلى الله عليه وسلم - بثلاث ليال كأنّ القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري ، فكرهت أن أخبرها أحدا من الناس ، حتى قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
هذا ولقد ترتب على هذا الزواج:
-    دخول قبيلة بني المصطلق في الإسلام.
-    زيادة قوة المسلمين المادية والأدبية.
-  إقامة الدليل العملي على أحقية المسلمين
في الزواج من أهل الكتاب – اليهود والنصارى –
بالله عليكم أكان ذلك الزواج ناجما عن شهوة الجسد.؟! أم عن تحكم الهوى كما يزعم البعض؟!
المراجع:
(1)           رواه الإمام أحمد في "مسنده" (43/ 384، ط. الرسالة).
(2)           في "الطبقات" (8/ 118، ط. دار صادر).
(3)           رواه الإمام أحمد في "مسنده" (5/ 77).
واقرأ أيضا:
(4)           -    السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث المؤلف / علي محمد الصلابي
(5)           -  تراجم سيدات بيت النبوة للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)
(6)           -    محمد رسول الله والذين معه, عبد الحميد جودة السحار.
(7)           -    الاستيعاب.
(8)           -    المستدرك.
(9)           -    المعجم الكبير
(10)     -    صحيح البخاري.
(11)     -    صحيح مسلم.


هناك تعليق واحد:

  1. فضل عتقها وزواجها من النبي – صلى الله عليه وسلم – على قومها:
    تعتبر غزوة المريسيع من الغزوات الفريدة المباركة التي أسلمت عقبها قبيلة بأسرها، وكان الحدث الذي أسلمت القبيلة من أجله هو أن الصحابة حرروا وردوا الأسرى الذين أصابوهم إلى ذويهم بعد أن تملكوهم باليمين في قسم الغنائم، واستكثروا على أنفسهم أن يتملكوا أصهار نبيهم – صلى الله عليه وسلم - ، وحيال هذا العتق الجماعي، وإزاء هذه الأريحية الفذة، دخلت القبيلة كلها في دين الله.

    ردحذف