الأحد، 25 أغسطس 2019

ثانيا: أسباب خروج المرأة للعمل(7) بقاء المرأة في المنزل:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة


الباب الثالث: الإسلام والمرأة
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(7) بقاء المرأة في المنزل:
ثانيا: أسباب خروج المرأة للعمل:
توطئة:
لقد ذكرت الآيات مراحل خلق آدم – عليه السلام فقال تعالى أن آدم  خُلق من تراب، حيث قال تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1)
وأنه قد خُلق من طين لازب فقال تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ) (2)
وأنه قد خُلق من حمأ مسنون فقال – جل وعلا شأنه – ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) (3)
وبتدبر تلك الآيات ندرك أن جسد أدم عليه السلام قد مر بعدة مراحل قبل دخول الروح فيه فقد خلق – الحق تبارك وتعالى –آدم عليه السلام من: تراب ثم تحول إلى طينا لازب ثم تحول إلى حمأ مسنون، ثم صار صلصالا كالفخار.
أما عن خلق حواء فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (4)
يقول الله – تعالى – آمراً خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبها لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم – عليه السلام – ( وخلق منها زوجها ) وهي حواء – عليها السلام – خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه.
قال ابن عباس:
( خلقت المرأة من الرجل، فجًعلت نهمتها فيه، وخلق الرجل من الأرض فجًعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نسائكم) (5)
قال تعالى: ( وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(6) 
إذا ما تدبرنا تلك الآيات لأدركنا عدد من الحقائق  الثابتة التي لا لبس فيها وهي أن:
- أن الغاية من خلق آدم وحواء – عليهما السلام – هي عبادة الله من خلال التزام أوامره و اجتناب نواهيه في اعمار الكون
- أن آدم – عليه السلام – قد خُلق من التراب.
- أن حواء – عليها السلام – قد خُلقت من أحد أضلع آدم.
سؤال:
وهنا نسأل لماذا لم يخلق الحق – تبارك وتعالى – حواء – عليها السلام – من تراب كما خلق آدم – عليه السلام – من تراب ؟!
والإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى عناء في التفكير، ولا طول بحث، فآدم وحواء – عليهما السلام – منوط بهما عمارة الكون علاوة على طاعة الله – جل في علاه – وهذا الهدف من خلقهما يجعل العلاقة بينهما لابد وأن تتصف بالتوافق والاتفاق لا بالتنافر والاختلاف، ومن ثمة لابد أن يكون أحدهما خاضعا للآخر حتى يحدث الاتفاق ويتلاشى الشقاق، ولذا تم خلق آدم من التراب، وخلق حواء من أحد أضلع آدم لتكون العلاقة بينهما هي علاقة الكل  - آدم – بالجزء – حواء – فالكل مهما بلغت قوته لا يقسو على الجزء منه، كما أن الجزء مهما بلغت استقلاليته فهو دائما يحن ويميل إلى الكل الذي ينتسب إليه، لذا نجد الرجل مهما بلغ جبروته وبطشه في التعامل مع غيره من الرجال، نجد أن حاله هذا يتغير في تعامله مع المرأة لأنها جزء منه، ونجد المرأة مهما بلغت من استقلال وقوة في التعامل مع غيرها من النساء نرى حالها هذا يتبدل إذا ما تعاملت مع الرجل فنجد منها الحنان والمودة لأنها جزء منه.
فالمرأة وهي في ذروة قوتها، وفي عنوان استقلالها تتبدل طبيعتها بين أحضان زوج يحتويها بدفء عاطفته الصادقة، وحنانه الخالص، و الرجل وسط كل ما يعتريه من تعب وإرهاق وكبد ومشقة في الحياة يتلاشى عنه ومنه كل ذلك في أحضان زوجة تحوطه بالحنان والمودة لذلك  وصف الحق – تبارك وتعالى – تلك العلاقة بعد أن تحدث عن خلق حواء من جزء من آدم فقد وصف تلك العلاقة الزوجية بالسكن أي الطمأنينة والراحة الجسدية، وبالمودة والرحمة أي الطمأنينة والراحة النفسية فقال تعالى { خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } فكأن كل زوجة بعد الزواج أصبحت في نفسها وروحها جزء من زوجها، كما جاء جسد حواء كجزء من جسد آدم، ومن خلال عطف الكل آدم على الجزء حواء، ومن خلال حنين وشوق الجزء حواء إلى الكل آدم تستقيم الحياة من خلال الاتفاق بينهما ومن ثمة يسهل عمارة الكون جنبا إلى جنب مع طاعة الله – سبحانه وتعالى -
أما إذا تم خلق حواء –  عليها السلام – من التراب كآدم – عليه السلام – لكانت العلاقة بينهما علاقة الكل بالكل، والند بالند، وهنا يقل الاتفاق ويكثُر الخلاف، فتفسد الحياة، و تسوء العبادة ومن ثمة لا يتحقق الهدف المرجو من خلق كل من: آدم وحواء – عليهما السلام – فالمركب ذات الرئيسين تغرق، والأرض ذات الملكين المتساويين في كل شيء تحترق بهما.
فالله - سبحانه – قد خلق كل منْ:الرجل والمرأة وهيأ كل واحد منهما لعمل يناسبه، وقد قسم الله تعالى المسئوليات بينهما، وكذلك لكل منهما رسالته، وفق مقدرته التي خلقه الله عليها،  فرسالة الرجل السعي والعمل وجمع المال لحاجة الأسرة، والمرأة مكلفة  برعاية الزوج، وتربية الأولاد، وهذه أقدس رسالة فهي تعد رجال السياسة ورجال الدولة، ورجال التعليم ورجال ..... كما تعد أمهات المستقبل الصالحات.
فرسالة المرأة في بيتها واجب من أقدس الواجبات إن لم يكن أقدس الواجبات التي كلفها الله - سبحانه وتعالى - بها فلا يجوز إهمالها له، وهي مسئولة عنها مسئولية كاملة أمام ربها مسئولة عن أطفالها، عن إطعامهم عن تربيتهم عن صحتهم عن تأديبهم وتوجيههم .
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال :قال – صلى الله عليه وسلم – (  كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها) ( 7)، ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال :
الأم مدرسة إذا أعددتها               
                    أعددت شعباً طيب الأعراق
فعمل المرأة داخل بيتها لا يستطيع أن يقوم به أحد من الرجال،مهما بلغت قوته وعزيمته،  لأنها مُنحت في طبيعتها الجسدية والروحية ما يؤهلها للقيام بتلك الوظيفة،  فلا يجوز أن يشغلها عن وظيفتها تلك  شاغل مادي أو أدبي مهما كان، وعملها هذا يتوقف عليه مستقبل الأمة، والجيل فهي راعية  الثروة البشرية ( 8 )، فإذا تعارض عمل المرأة مع مهمتها الأساسية التي خلقت لأجلها وكلفها الله بها، وهي الاهتمام ببيتها بالإنجاب والتربية والزوج، فإن عليها أن تضحي بعملها خارج البيت لأداء هذه المهمة الصعبة، والتي خطرها أعظم، وفوائدها وآثارها أجل وأفدح  (وكفى بالمرء إثماً أن يضيع منْ يقوت) (9)
فإذا أرادت المرأة أن تعمل فينبغي  أن يكون العمل مناسباً لتكوينها الجسدي، وطبيعتها النفسية، وقدراتها التي منحها الله إياها،فلا يستطيع أحد أن يُنكر الفوارق الجسمية والعقلية والعاطفية، وكذلك القدرات بين النساء والرجال، وهي فوارق ليست لتمييز طرف على طرف، وإنما تتناسب مع مهمة كل طرف في الحياة.
فالله سبحانه وتعالى هيأ جسد المرأة للحمل والميلاد، وحباها عاطفة جياشة، وحناناً ورحمة للأطفال،: وجسداً لا يقوى على الأعمال الصعبة والشاقة، وهذا الأمر منذ خلق الله تعالى آدم وحواء، قال تعالى{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ } * { فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ }{ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ } * { وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ }(10)
فانظر إلى قوله تعالى {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا}فالأمر لآدم وحواء بالحرص على عدم الإخراج من الجنة، ومخالفة الشيطان، والحرص على الطاعات، وقال لآدم :(فتشقى) ولم يقل فتشقيا لأن الشقاء على آدم وحده في طلب الرزق وتوفير احتياجات المرأة.
لذلك لا يجوز للمرأة أن تعمل في الأعمال الشاقة، وإن كان العمل يجني ريعاً كبيراً فلا يجوز أن تعمل في الحدادة أو المناجم والمحاجر ومصانع المفرقعات، ولا يجوز لها أن تعمل في الأعمال الثقيلة ( 11 ) وكذلك لا يجوز للمرأة أن تقوم بالأعمال التي فيها مخاطرة على ( نفسها أو جنينها، ولا يجوز لها أن تعمل في أعمال بناء البيوت أو الجيش ( 12)
فإن هذه الأعمال تكسب المرأة الخشونة والشدة وتضعف أنوثة المرأة وتقلل ميل الزوج نحوها، إذ أن طبيعة المرأة الميل إلى النعومة والرقة والانقياد للزوج، فلا بد للمرأة إذا احتاجت للعمل أن تراعي ذلك.
تغيرات الحياة وأسباب خروج المرأة للعمل:
شاءت إرادة الله – جل في علاه – أن يُناط بالرجل منذ بدء الخليقة السعي والعمل والكد خارج المنزل، وذلك وفق طبيعته التي خلقه الله عليها، ووفق مهمته التي خُلق من أجلها، وعلى الجانب الآخر كان على المرأة هي الأخرى أن تكد وتعمل ولكن داخل منزلها، وذلك وفق طبيعتها التي خلقها الله عليها، ووفق مهمتها التي خُلقت من أجلها. فقد كانت الأمم عبر التاريخ البشري تعيش حياتها كما فطرها الله تعالى، الكل فيها  يعرف احتياجاته واختصاصه،ولا يخرجوا عن هذا الناموس إلا في حالة الشذوذ أو الطوارئ أو الضرورات والحاجات.
فوقع على الرجل مهمة الكسب وتوفير المعاش لأسرته من مسكن ومأكل وملبس، ووقع على المرأة مهمة تهيئت بيتها ونفسها لراحة زوجها وأبنائها، يأوي الرجل إلى بيته ليجد السكن والمودة والرحمة والراحة بعد يوم قضاه في العمل، وكان الأطفال كلٌ يهيئ أُسرياً إلى الواجبات التي تُناط به، فالذكور يهيئون للرجولة ومسئولياتها،والإناث يهيئون للأمومة ومسئولياتها حتى أثناء لعبهم ولهوهم، حتى جاءت الثورة الصناعية ( 13) التي عصفت بأوروبا فرفعت المجتمع ثم ألقته في الحضيض وكان نتيجة ذلك فشل الأسرة والمجتمع، وشيوع الأنانية و اللامسئولية مما حدا بكل فرد من أفراد الأسرة السعي لكسب قوته، وتحقيق رغباته وشهواته، والمرأة بطبيعة تكوينها الجسدي لا تقوى في العموم على الكسب غالباً فتضطر باختيارها أن تكون سلعة رخيصة تعرض نفسها باختيارها لكل إنسان حيواني لتكون له متعة ونزوة يقضي فيها لا معها حاجته ثم يلقيها إلى قارعة الطريق.
لقد كان من أفظع نتائج الحرب العالمية خطراً قتل ما يقدر على الأقل بعشرة ملايين شاب من أوروبا وأمريكا في ميدان القتال فنتج عن ذلك مجموعة من النتائج الخطيرة، لقد وجدت ملايين الأسر نفسها بلا عائل،فقد يُتِّم الأطفال ورُملت النساء، وخرجت أعداد كبيرة من الشباب المشوهين والعاجزين عن العمل، وأعداد كبيرة ( فقدوا عقولهم من أثر الغازات المدمرة وحياة الخنادق (14)
فوجدت المرأة في الغرب نفسها مضطرة إلى الخروج إلى العمل خارج البيت لتكسب قوتها وقوت عيالها تبيع نفسها بثمن بخس، وأن تشتغل في الأعمال التي تستغل فيها أنوثتها، رغم أن المرأة العاملة تعانى أشد المعاناة في تربية أولادها وهذا ما نشاهده ونحسه جميعاً عند خروجها لعملها فهي تذهب برضيعها إلى أمها أو أم زوجها أو إلى الدور المختصة برعاية الأطفال.
وكل هؤلاء لا يعوض أيهم قطرة من حنان الأم ورعايتها وكم رأينا أطفالاً تشردوا ؛ بسبب تخلى الأم عن تربيتهم بخروجها لعمل لم يوفر لها كثيراً من النفع أو العائد المادي ! وهل يستطيع أي شيء تعويض الحرمان من عاطفة الأمومة ولو لوقت قصير؟! إنه اليتم الاجتماعي ورحم الله أمير الشعراء عندما قال :
ليس اليتيم من انتهى أبواه *
                     من هم الحياة وخلفاه ذليلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى له *
                        أما تخلت أو أبا مشغولاً
(أ) أسباب خروج المرأة للعمل في الغرب:
فالمرأة في الغرب لم تخرج للعمل بمحض وإرادتها، أو بحثا عن إثبات ذاتها واستقلالها، أو للتخلص من وقت فراغها، وإنما كانت هناك أسباب عدة أجبرتها و دفعتها  نحو المصنع والمتجر والشارع وفي أغلب الأحيان نحو الخمارة والملهي يستوي في ذلك المرأة التي لها عائل من زوج وأب، الذين يجب عليهم الإنفاق عليها في ظل المنطق السليم ، والمرأة التي لا عائل لها.
ومن هذه الأسباب: (15)
١- إن القوانين الغربية لا تلزم الأب بالنفقة على ابنته إذا بلغت ثمانية عشر عاماً، لذا هي ملزمة بالعمل والإنفاق على نفسها ( 16)، ووالدها يدفعها إلى الشارع أحياناً لتحضر أجرة الغرفة التي تسكنها.
٢- إن الناس في الغرب ذكوراً وإناثاً يعيشون لشهواتهم ، لذا فإن الرجل يريد المرأة في كل مكان وهي كذلك،لذا نجد المرأة عندهم مُسخرة للشهوة في العمل، في الشارع، في البيت، في المتنزهات، في المقاهي، في الفنادق, يريدونها عارية في الأفلام، في الصور، في الإعلانات، في دور البغاء.
٣- لقد خيم البخل والأنانية في الغرب حتى قالوا : كيف ننفق على منْ لا يعمل؟! ولا يرون تربية الأولاد عملاً هاماً، كما أنهم لا يبالون بدين أو خلق.
٤- الضعف الجنسي والعجز الجنسي يصيب الرجل في الغرب من سن مبكرة حيث استفرغت الطاقة مبكراً دون ضوابط، فتضطر المرأة للعمل لتغري الرجل بحالها ومالها حتى يقبل عليها وهذا يدفعها إلى العمل.
يقول الدكتور مصطفى السباعي: -
"حين كنت في لندن 1956م سألني أحد الأساتذة الانجليز: ما هو موقف الإسلام من الحضارة الغربية؟!
فأجبته: نأخذ أحسن ما فيها، ونترك أسوأ ما فيها.
قال: إن هذا غير ممكن، فالحضارة لا تتجزأ، إننا في أوروبا منذ بدأ عندنا عصر التصنيع بدأ تفكك الأسرة، لأن المرأة تشتغل في المعامل، وهذا أمر لابد منه، ومن هنا تفككت الأسرة.
فأجبته: بأن تفكك الأسرة عندكم ليس راجعاً في رأيي إلى التصنيع، بل ناشئ من إخراج المرأة من بيتها، وأنتم الغربيين أخرجتموها لباعثين:
الأول: نفسي وهو رغبتكم في أن تروا المرأة بجانبكم في كل مكان، في الترام وفي الطريق، وفي المتجر وفي المطعم، وفي المكتب في دواوين الدولة.
والثاني: مادي أناني، وهو أنكم لا تريدون أن تتحملوا نفقات المرأة من بنت أو زوجة أو أم، فأجبرتموها على العمل لتعيل نفسها بنفسها، فاضطرت لمغادرة البيت، ومن هنا تفككت الأسرة عندكم.
قال: وأنتم ماذا تفعلون في مثل هذه المشكلة؟!
قلت: إن نظام النفقات في الإسلام يجبر الأب على الإنفاق على ابنته حتى تتزوج، فإذا تزوجت كانت نفقتها ونفقة أولادها على الزوج وحده، فإذا مات زوجها ولم يكن لها مال، ولا ولد فنفقتها على والدها، وهكذا.
إنها لا تجد نفسها في فترة من فترات حياتها في الغالب محتاجة إلى أن تدخل المعمل لتأكل وتعيش.
وهنا قال صاحبي متعجباً: نحن الغربيين لا نستطيع أن نتحمل مثل هذه التضحيات". (17)
ونتيجة لما سبق اضطرت المرأة للخروج من بيتها وفطرتها تاركة عشها الهادئ المناسب لطبيعتها، خرجت لتبحث عن قوتها ونفقتها، ولو كان لها أب وأم فهي مضطرة لذلك لأنها مطالبة بإيجار البيت وسداد فواتير الماء والكهرباء والهاتف والتغذية، ولو كانت عند والديها مادام أنها بلغت سن الثامنة عشرة، واضطرت المرأة أيضاً أن تزاول أي عمل مهما كان، ولو كان منافياً لطبيعتها وأنوثتها وحيائها، لأن حاجتها للمال دفعها إلى ذلك، حتى أصبح من الصعوبة بمكان أن تعود إلى البيت وتستقر فيه.
إن العمل الفطري للمرأة داخل بيتها، هو الوظيفة التي عُرفت قديما وما زالت المرأة مُطالبة بأدائها على اعتبار أنها الوظيفة الطبيعية الفطرية التي جبلت عليها، وعلى اعتبار أيضاً أنها وظيفتها الأساسية، في حين "أن عملها خارج البيت هو استثناء من الأصل الذي يقضي بمقامها في بيتها للتصدي للرسالة المقدسة، والوظيفة الخطيرة التي كلفت بحملها" (18)
(ب) أسباب خروج المرأة لعمل في بلادنا الإسلامية:
تزايدت في الآونة الأخيرة نسبة النساء العاملات تماشياً مع متطلبات العصر الحديث، حيث إن العمل أصبح من أوليات الأمور التي تفكر بها المرأة بغرض تحقيق الكثير من مطالب الحياة المستجدة، في حين أن هذا الأمر لم يكن منتشراً من قبل بصورة كبيرة، إذ كان عمل المرأة الأول هو رعايتها لأولادها وشؤون بيتها، هذه الوظيفة الفطرية، وأما عملها خارج البيت فلم يكن إلا لضرورة قصوى تلبية لاحتياجات الأسرة المتزايدة أو في ظل غياب المعيل.
 أما اليوم فلم يعد العمل مجرد مسألة عول بل أصبح من أولويات حياة المرأة، خاصة بعد التخرج من الجامعة، ولأن هدف الخروج للعمل والغاية منه تغيرت بتغير الزمن، فإن النساء العاملات أصبحن لا يستغنين عنه أبداً، لأنه وسيلة لتحقيق الذات، وكسب المال، وتوسيع نطاق العلاقات الاجتماعية، هذه الأخيرة التي قد تؤثر في بعض الأحايين على علاقة المرأة مع زوجها، خاصة إذا انفتحت المرأة العاملة في علاقاتها مع الرجال من زملائها في أماكن العمل المغلقة، وما ينتج عنه من الاختلاط والخلوة.
 حيث تدور حول عمل المرأة خارج البيت كثير من المغالطات والخلل في الكيفية التي يسير عليها، الأمر الذي يعود بالأثر السيئ على استقرار بيت الزوجية، سواء في العلاقة العاطفية بين الزوجين، أو من ناحية اهتمام ورعاية الأم العاملة لأولادها، وقد تزداد المشكلة تعقيداً لتصل حد الطلاق وانحلال مؤسسة الأسرة، فيضيع الأولاد بين سؤال لا يجد له القضاء حلاً عملياً: من الحاضن؟! ويبحث الزوج عن امرأة أخرى تعطيه الاستقرار المفقود.(19)
غير أن تداعيات التطور الحادث في المجتمع كان له الأثر البارز في خروج المرأة للعمل، فبعد أن كان هذا الخروج مقترناً بالضرورة والحاجة الداعية إليه عند فقد المعيل ورب الأسرة، أصبح في الوقت الحاضر هو نفسه الضرورة، خاصة بعد أخذ المرأة كفايتها وحظها من التعليم، والتعليم العالي بالخصوص، وبعد أن أصبح التعليم إلزامياً، "فحصول النساء على مؤهل علمي قد أدى إلى تحسين فرص التوظيف لهن"(20)، وهذا هو السبب الأول الداعي لعمل المرأة.
أما السبب الثاني فهو غلاء المعيشة الذي استلزم عمل الزوجين معاً لأجل تدبير أمور الحياة المعيشية لهما ولأبنائهما، ولعائلتيهما (والديهما) من ذوي الدخل المنخفض، وهذا العمل بدوره يساعد المرأة على الاشتراك والانخراط في الجمعيات التعاونية بمقدار مالي محدد لكل شهر، وهو الأمر الذي يساعدها في التوفير بطريق غير مباشر لصرفه في الوقت المناسب، وفي هذا المجال أصبح العمل ضرورة ملحة يقتضيها هذا الزمن.
وقد أقام قسم استقصاء السكان والأسرة بماليزيا بحثاً عن كيفية إيجاد فرص العمل ومجالاتها، ومن أهم النتائج التي توصل إليها هذا البحث أن أكثر النساء الماليزيات يدخلن سوق العمل سواء قبل أو بعد الزواج بناء على دواعي مادية، وهذا يتضح حينما نعلم أن أكثر النساء غير المتزوجات يعملن أساساً لمساعدة أُسرهن خاصة عند فقد العائل أو عجزه، أما المتزوجات فأكثرهن يعملن ليحصلن على زيادة في دخل الأسرة(21)
وأما السبب الثالث فيتمثل في دور المؤسسات السياسية والاقتصادية التي كفلت فرص العمل، والدعوة إلى خروج المرأة للعمل بغرض ترقية مستواها ومساهمتها في التنمية الاقتصادية لبلدها. فبالنسبة للنموذج الماليزي هنا، وحسب التعداد السكاني لعام 2000م فإن الكثافة السكانية كانت قرابة 23 مليون نسمة. ومعدل النساء يقارب 50% أي حوالي نصف السكان، "فالنساء هن المصادر البشرية للبلد، وبإمكاننا وعلينا الاعتماد على الطاقة النسوية لمؤازرة الدولة لتصبح صناعية ومتطورة"(22)
وقد توجد أسباب أخرى غير مباشرة أو أسباب ثانوية تستدعي خروج المرأة للعمل مثل الإحساس بالملل والكآبة داخل البيت! خاصة وإذا كانت المرأة قد أخذت قسطا عاليا من الدراسة والتكوين المهني، فترى أن الزواج وإنجاب الأولاد قد حطم مستقبلها وضيّع آمالها في تحقيق طموحاتها في أن تكون مدرسة أو مهندسة أو طبيبة أو موظفة، وتنسى أو تتجاهل أن تعليمها لم يكن المقصد الأساس منه هو التوظيف، إنما المقصود منه تثقيف المرأة وتوعيتها لأجل أداء دورها الفطري وهو تربية الأولاد بغرض إنتاج جيل واع! "ولكن الصناعة والتعليم الأفضل والمؤهلات سحبت المرأة لمشاركة القوى العالمة، ولهذا تأثير على الحياة الأسرية"(23)

المراجع:
1)     {آل عمران:59}
2)   {الإسراء:61}
3)  {الحجر:26}
4)    {النساء:1}
5)    تفسير ابن كثير ج 1 ص 424
6)   {الرُّوم:21}
7)  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، حديث رقم ٨٩٣ ، عمدة القاري للعيني، ٥/ 42
8)  فتاوى للمرأة المسلمة للقرضاوي، ص ١٠٣ ، الداعية زينب الغزالي، إعداد ابن الهاشمي، دار الاعتصام، القاهرة، . ١٩٨٩ م، ص ٣٩ ، حقوق المرأة المدنية والسياسية في الإسلام، د. محمد أبو فارس، ص 19
9)  أخرجه أبو داود في سننه، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، رقم الحديث  ١٦٩٢ ، 1/٥٢٩ ، وحسنه الألباني.
10) سورة طه : ١١٧ – 119
11) مجلة مؤتة للبحوث، ج ١٥ ، عدد ١، سنة ٢٠٠٠ ، بحث لأحمد محمد السعد، وياسر عبد الكريم الحوراني، ص ١٩ ، مجلة الأزهر، مصر، ج ٩، سنة ٦٧ ، فبراير ١٩٩٥ م، مقال للدكتورة زينب صالح الأشوح، ص ١٢
12)             مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة السنة ١١ عدد الأول رمضان ١٣٩٨ ه، من مقال لعبد العزيز بن باز، ص ١87
13)            مجلة رسالة الخليج العربي، تصدر عن مكتب التربية العربي لدول الخليج في الرياض، عدد ٣٣ ، السنة العاشرة، ١٤١٠ ه- - ١٩٩٠ م، ص   6 – 7 بحث للسيد أحمد المخزنجي
14)            مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، عدد ( ١) السنة الثانية رجب ١٣٨٩ ه، ص ٥٧ ، من مقال للشيخ إبراهيم السلقيني .
15)                         المرأة المسلمة، وهبي سليمان عاوجي الألباني، ص 236 – 237
16)             المرأة بين الفقه والقانون، مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، ط ٥، ص ١٧
17)                       المرأة بين الفقة والقانون 120.
18)            محمد عقلة، نظام الأسرة في الإسلام، (عمان: مؤسسة الرسالة الحديثة، ط2، 1420هـ/2000م )، ج2/ ص277.
19)            أثر عمل المرأة خارج البيت على استقرار بيت الزوجية - ماليزيا نموذجاً (1/2) د. فريدة صادق زوزو
20)             نور الفضيلة بنت عبد الرحمن، عمل المرأة بين الفقه الإسلامي والقانون الماليزي، رسالة ماجستير غير منشورة، أكتوبر 2003م، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، ص53.
21)            وفي أهم دوافع عمل المرأة الماليزية كتب الأستاذ عبد الحميد أرشاد ورقة عمل بعنوان: "المرأة وتقدم البلاد"، قدمت لمؤتمر"المرأة، الأسرة والعمل" الذي أقامته جامعة ملايا، 9 يونيو 1988م. بحيث قسّم دوافع عمل المرأة إلى قسمين اعتبارا بدوافع المرأة المتزوجة، ثم دوافع المرأة العازبة أو الفتاة، وجملة الأسباب والدوافع كانت 14 دافعا حسب الباحث،ص8-10.
22)            أ/د خليجة محمد صالح، دور المرأة المسلمة في مواجهة تحديات العولمة، ورقة العمل رقم 15 في ملتقى العلماء العالمي، (بوترا جايا، 10-12 يوليو 2003م)، ص4.
23)                      خليجة، ص5.
وانظر أيضا:
-   مهـــددات الأســرة المعاصــرة (وجهة نظر إسلامية في التكوين والعلائق والآثار التربوية)د. فاطمة عبد الرحمن عبد الله
-   عمَل اُلمرأة بِين تكريم اِلإسلامِ ودعاة اِلتحرير وِالبهتانِ د. محمود يوسف الشوبكي ،د. سعد عبد الله عاشور الأستاذان  المشاركان  بكلية أصول الدين الجامعة الإسلامية – غزة


الاثنين، 19 أغسطس 2019

أولا: عمل المرأة بين الحق والباطل(7) بقاء المرأة في المنزل:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة


الباب الثالث: الإسلام والمرأة
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(7) بقاء المرأة في المنزل:
أولا: عمل المرأة بين الحق والباطل:
إن الإسلام لم  يحارب عمل المرأة، ولم  يحارب خروجها من منزلها لقضاء حوائجها، ولكن الذي يحرص الإسلام على توضيحه بالنسبة للمرأة، ويُعطيها الفرصة للاختيار بين ما تراه خيرا لها، وفي صالحها، إنه يُخيرها بين البقاء في بيتها لتنهض بالوظيفة التي خُلقت من أجلها، والتي تتمثل في رعاية الزوج، وتربية الأولاد على اعتبار أن الإسلام لم يُكلفها بشيء من الإنفاق، يُخيرها بين هذا كله، وبين خروجها للعمل خارج منزلها ، ولكن على شرط ألا يكون ذلك الخروج بثياب التبرج والابتذال، الذي تضيع معهما كرامتها وعزتها، وتجعلها عُرضه للشباب المستهتر فيتعرض لها بالهمس من خلال السيئ من الألفاظ أو باللمس من خلال أحداث التحرش التي ملأت الفضاء اليوم هذه هي القاعدة بل إن هناك حالات يجب فيها عمل المرأة، وجوبا يصل إلى درجة الفرض منها:
الحالة الأولى:
أن تكون المرأة ذات نبوغ خاص في مجال ما، و يندُر  ذلك النبوغ فى الرجال والنساء معاً وهنا نجد أن المصلحة الاجتماعية توجب فى هذه الحالة على تلك المرأة ذات النبوغ أن تعمل ليعود ذلك النبوغ على المجتمع بنفع عام ولا تخمده بركودها فتضيع قوة عاملة من القوى النادرة التي يمكن أن تكون سببا في رفعة المجتمع.
الحالة الثانية:
أن تتولى المرأة عملاً هو أليق وأنسب بالنساء كتربية الأطفال وتعليمهم وتطبيب النساء والأطفال " قرر الفقهاء أن بعض هذه الأعمال فرض كفاية " وان الزوج ليس له منع امرأته من الخروج إذا كانت تحترف عملا هو من فروض الكفاية الخاصة بالمرأة ولكنه نصح هذه المحترفة بالا تخرج متبرجة مبتذلة فى تصرفاتها.
الحالة الثالثة:
أن تُعين زوجها فى ذات عمله مثل المرأة الريفية وهى الصورة المثالية للمرأة العاملة الكادحة
الحالة الرابعة:
أن تكون فى حاجة إلى العمل لقوتها وقوت أولادها ..."
ويمكن إجمال القول في هذا كله: أن المرأة يُباح لها العمل إذا احتاجت إلى العمل أو احتاج لها العمل، فالعمل خارج البيت للمرأة ليس ترفا ولا مهنة وإنما حاجة وضرورة.
مشروعية عمل المرأة:
إن التشريع الإسلامي يقوم على  أصول ثابتة  لا تقبل التغيير  وأهم هذه الأصول وحي السماء –الكتاب والسنة -، لذا فإننا إذا أردنا أن نقرر مشروعية عمل من عدمه نرجع إليهما، ومن ذلك مشروعية عمل المرأة، فعمل المرأة في حدود ما أباح الله لنا من الأعمال مشروعة بشكل عام وخاصة إذا وجدت الحاجة للعمل.
فالأصل والقاعدة أن يكون عمل المرأة في بيتها قياماً بالحقوق الزوجية وواجبات الأمومة وتربية الأبناء وأن هذه أمور ليست بالسهلة فإنها ولا شك تأخذ وقتاً وجهداً كبيرين إلا أنه  يجوز للمرأة العمل خارج المنزل بقدر الحاجة وفي مجال أو عمل لا يترتب عليه محاذير ولا فتنة لنفسها أو غيرها، فلو احتاجت المرأة إلى الاشتغال خارج بيتها لكسب رزقها لعدم وجود منْ يعولها أو أن يكون عائلها مريضاً أو عاجزاً أو فقيراً لا يكفيه عمله، أو ليس بصاحب حرفة، أو صنعة، فعندئذ تضطر للعمل لكسب العيش أو للمساعدة فهذا جائز بالشرط السابق.
ومن الأدلة على جواز هذا الأمر :
أولا : من الكتاب الكريم:
١- قوله تعالى مخبراً عن موسى - عليه السلام -
{ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } (3)
وهو اعتذار عما دعاهما إلي الخروج وسقي أغنامهما، دون وليهما الذي يتولى ذلك عادة إذ كان : عاجزاً عن ذلك، ثم في الآيتين بُعد المرأتين عن مخالطة الرجال والتزامها الحياء والوقار بقولهما { قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ} وهو أيضاً دليل ضعف المرأة وعدم قدرتها على مزاحمة الرجال ومساجلتهم في الأعمال التي تختص بهم عادة، وفيها أيضاً أنه ينبغي للمسلمين أن يعينوا الضعفاء من النساء وأن تأخذهن الغيرة لحمايتهن وصون أعراضهم عن التبذل والانكشاف، وفي القصة أيضاً طلب المرأتين من أبيهما استئجاره ليكفيهما العمل خارج المنزل وقد فعل، فإذا انتهت حالة الاضطرار للخروج والعمل عادت المرأة إلي مسكنها ومنزلها ومكانها الأول  
٢-  قوله تعالى {وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }(4)
ففي الآية أنه يجوز استئجار المرأة للرضاعة ويجب على ولى الطفل أن يقدم لها أجرها وقد تكون هذه الرضاعة في بيتها، كما قد تكون فى منزل الطفل، ولا شك أن هذا العمل هو من وظائف المرأة الأصلية ومما يتوافق مع فطرتها، ولا محظور فيه في الغالب من اختلاط أو خلوة بأجنبي ونحو ذلك.
ثانيا : من السنة المطهرة:
1- عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : " تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح ( 5 ) وفرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه (6) وأعجن، ولم أكن أحسن الخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق وكنت أنقل النوى من أرض الزبير - التي أقطعه رسول الله - على رأسي وهي منى على ثلثي فرسخ(7) فجئت يوما والنوى علي فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال : إخ إخ ( (8) ليحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إني قد استحيت فمضي.
فجئت الزبير فقلت : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركبه، فأستحيت منه وعرفت غيرتك. 
فقال : والله لحملك النوى أشد على من ركوبك معه.
قالت : حتى أرسل إلى أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني)(9) 
2- عن جابر بن عبد القال : طُلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها ( (10) فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي - صلي الله علية وسلم - فقال " بلى فجذي نخلك، فإنك عسى أن تصدًقي أو تفعلى معروفاً(  (11)
فهذان الحديثان يدلان على جواز خروج المرأة للعمل الذي لا بد لها منه تخدم فيه زوجها أو تعينه أو تكسب قوتها، فأسماء رضي الله عنها كانت تنقل النوى على رأسها من أرض الزبير رضي الله عنه، وهي بعيدة عنها وكانت تستقي الماء، وأجاز النبي - صلى الله علية وسلم - لخالة جابر رضي الله عنهما أن تخرج إلى نخلها فتجني ثمارها فتنفع نفسها وتنفع غيرها بالصدقة
ولكن مع هذا كله لا يؤخذ من الحديثين جواز تولي المرأة للوظائف في جميع المجالات لأن أسماء وخالة جابر لم تخرجا لتعملا في مصنع أو متجر أو مؤسسة أو نحوها وإنما خرجتا للعمل في مزارعهما حيث لم يكن دوام رسمي، ولم يكن الخروج إجبارياً ولا محظور من الاختلاط أو خلوة من الأجانب، بل استحيت أسماء من المشي مع رسول الله - صلي الله علية وسلم - وأصحابه وكان عملها لراحة زوجها حتى يتفرغ للأعمال الأخرى الشاقة التي لا يمكن أن تعملها كما كانت خالة جابر بحاجة إلي العمل حتى توفر لها قوتها لأنها كانت في عدة الطلاق ولم يكن لها عائل، والإسلام لا يمنع من الخروج للضرورة مع مراعاة الآداب والأحكام الشرعية.
3- عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وأم ولده - وكانت امرأة صناع اليد قال : فكانت تنفق عليه وعلى ولده من صنعتها - قالت : فقلت لعبد الله بن مسعود : لقد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق معكم بشيء فقال لها عبد الله : والله ما أحب - إن لم يكن في ذلك أجر - أن تفعلي. 
فأتت رسول الله – صلى الله علية وسلم - فقالت : يا رسول الله، إني امرأة ذات صنعة أبيع منها وليس لي ولا لزوجي نفقة غيرها، ولقد شغلوني عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق بشيء فهل لي من أجر فيما أنفقت ؟! قال : فقال لها رسول
 الله - صلي الله عليه وسلم - : " أنفقي عليهم، فإن لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم " (12)
فامرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها كانت تعمل وتعيل زوجها وتنفق من عمل يدها وصنعتها عليه وعلى أولادها فأخبرها الرسول - صلي الله عليه وسلم - أن لها في ذلك أجر الصدقة وأقرها على عملها لمساعدة زوجها الفقير.
من أقوال الإمام المرحوم الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر الشريف:
إن على كل أسرة أن تراجع موقفها وان تعرف أن صناعة الإنسان " الأولاد " أعلى وأغلى صناعة وان الأم الزم واقدر وانه إذا لم يكن بالأسرة ضرورة أو حاجة لكسبها من عملها فأولى بها ثم أولى أن ترعى زرعها لتنعم وتقر عينها بثماره، ليست هذه دعوة للتخلي ــ بوجه عام ــ عن العمل ، وإنما هي دعوة للمراجعة والمفاضلة بين المكسب والخسارة ككل.(13)
وينبغي علينا ألا نغفل أن البعض من المسلمين يرفض قطعيا ً خروج المرأة ــ وبالأحرى ــ عملها خارج البيت ولهم أسبابهم  أو شبهاتهم حول ذلك الأمر، و علينا أن نأخذ في اعتبارنا عدة نقاط ونحن نُناقش تلك الأسباب أو الشبهات منها:
- أننا يجب ألا نلزم أنفسنا ألا بالنصوص الثابتة الصريحة الملزمة.
- أن هناك أحكاما وفتاوى لا نستطيع أن نفصلها عن عصرها وبيئتها ومثلها قابل للتغيير بتغير موجباتها ولهذا قرر المحققون أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال والعُرف.
- أن العلمانيين اليوم يتاجرون بقضية المرأة ويحاولون أن يلصقوا بالإسلام ما هو براء منه وهو أنه جار على المرأة وعطل مواهبها وقدراتها ..
- أن الأصل فى الأشياء أوالتصرفات الدنيوية الإباحة ما لم يأتي نص ودليل من القرآن أو السنة بتحريمه.
تلك هي النقاط التي ينبغي علينا أن نأخذها في الاعتبار ونحن نستعرض تلك الشبهات:
الشبهة الأولى :
يتخذ بعضهم من قول – الحق تبارك وتعالى – {وقرن فى بيوتكن} سندا لحجته فيردد" أنه لا يجوز للمرأة أن تدع بيتها أو تغادره"
 الرد على الشبهة الأولى :هذا الدليل في غير موضعه:
- فالآية الكريمة تخاطب نساء النبي "صلى الله عليه وسلم " ونساء النبي لهن من الحرمة وعليهن من التغليظ ما ليس على غيرهن " ولهذا كان أجر الواحدة منهن ا ذا عملت صالحا مضاعفا كما جعل عذابها إذا أساءت مضاعفا أيضا
- أن أم المؤمنين عائشة رغم هذه الآية خرجت من بيتها وشهدت " معركة الجمل " استجابة لما تراه واجبا دينيا عليها وهو القصاص من قتلة عثمان وان أخطأت التقدير فيما صنعت.
- أن المرأة قد خرجت من بيتها بالفعل وذهبت إلى المدرسة والجامعة وعملت فى مجالات الحياة المختلفة طبيبة ومعلمة .. دون نكير من أحد .. مما يعتبره الكثيرون إجماعا على مشروعية العمل خارج البيت للمرأة بشروطه ( الحجاب الشرعي ــ عدم الاختلاط المستهتر ــ مراعاة حرمتها وأنوثتها ــ عدم إفشاء أسرار بيتها)
- أن الحاجة تقضى من المسلمات الملتزمات أن يدخلن مجالات العمل المختلفة ويتفوقن فيها فى مواجهة المتحللات والعلمانيات اللاتي يزعمن قيادتهن للعمل النسائي ، والحاجة الاجتماعية والسياسية قد تكون أهم واكبر من الحاجة الفردية.
- أن حبس المرأة فى البيت لم يعرف في الإسلام إلا كعقوبة لمنْ ارتكبت الفاحشة قال تعالى: { وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}ً  (14)
فقد كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت، فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال سبحانه : { وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } يعني: الزنا { مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم، قال تعالى: { ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }
الشبهة الثانية :سد الذرائع:
"فالمرأة عندما تخرج للعمل ستتعرض لاختلاط بالرجال وربما الخلوة بهم وهذا حرام وما أدي إلى الحرام فهو حرام"
الرد على الشبهة الثانية:
لا شك أن سد الذرائع مطلوب ولكن العلماء قرروا أن المبالغة فى سد الذرائع كالمبالغة فى فتحها وقد يترتب عليها ضياع مصالح كثيرة اكبر بكثير من المفاسد المخوفة.
مثال : " وقف بعض العلماء يوما فى وجه تعليم المرأة ودخولها المدارس والجامعات من باب سد الذرائع حتى قال بعضهم " نعلمها القراءة لا الكتابة حتى لا تستخدم القلم فى كتابة الرسائل الغرامية ونحوها "
ومن هنا نقول :" أن المسلمة الملتزمة يجب أن تتحفظ فى ملاقاتها للرجل من كل ما يخالف أحكام الإسلام من الخضوع بالقول أو التبرج فى الملبس أو الخلوة بغير محرم أو الاختلاط بغير قيود.

الشبهة الثالثة: القوامة:
خلال عمل المرأة من الممكن أن تكون فى منصب قيادة وان الولاية والقيادة على الرجال وهى ممنوعة منها فالأصل الذي أثبته القرآن الكريم أن :" الرجال قوامون على النساء ، فكيف نقلب الوضع وتصبح النساء قوامات على الرجال "
الرد على الشبهة الثالثة: القوامة:
الآية الكريمة التي ذكرت قوامية الرجال على النساء إنما قررت ذلك فى الحياة الزوجية فالرجل هو رب الأسرة فقوله عز وجل :" بما أنفقوا من أموالهم " يدلنا على أن المراد القوامة على الأسرة وهى الدرجة التي منحت للرجال فى قوله تعالى :" ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة "والقوامة ليست منحة للرجل، فهي مرتبطة بإنفاقه على الأسرة.
- ومع قوامة الرجل على الأسرة ينبغي أن يكون للمرأة دورها وأن يؤخذ رأيها فيما يهم الأسرة " فإذا أرادا فصالا ً عن تراض ٍ منهما وتشاور فلا جناح عليهما " البقرة /233 كما جاء فى الحديث الشريف الذي رواه أحمد :" أمروا النساء فى بناتهن " أي استشيروهن فى أمر زواجهن ".
- أما ولاية بعض النساء على بعض الرجال ــ خارج نطاق الأسرة ــ فلم يرد ما يمنعه ، بل الممنوع هو الولاية للمرأة على الرجال،والحديث الذي رواه البخاري عن أبى بكر رضي الله عنه مرفوع :" لن يفلح قوم ولـُّوا أمرهم امرأة " إنما يعنى الولاية العامة على الأمة كلها أي رئاسة الدولة أما بعض الأمر فلا مانع أن يكون للمرأة ولاية فيه مثل : ولاية الفتوى أو الاجتهاد أو التعليم أو الرواية أو الحديث أو الإدارة حتى القضاء أجازه ابن حنيفة فيما تشهد فيه أي فى غير الحدود والقصاص مع أن من الفقهاء من أجاز شهادتها فى الحدود والقصاص كما ذكر ابن القيم فى ( الطرق الحكمية ) أجازه الطبري بصفة عامة أجازه ابن حزم مع ظاهريته ، وهذا يدل على عدم وجود دليل شرعي صريح يمنع من توليها القضاء
وسبب ورد فى الحديث المذكور يؤيد تخصيصه بالولاية العامة فقد بلغ النبي " صلى الله عليه وسلم" أن الفرس بعد وفاة إمبراطور هم وَلـُّو عليهم ابنته " بوران بنت كسرى " فقال : " لن يفلح قوم ولو عليهم امرأة "(15)
هذا هو موقف الإسلام من خروج المرأة المسلمة من منزلها بقصد العمل، ولكن إذا ما كان الخروج يتعارض مع واجباتها المنزلية، وواجباتها الزوجية، وواجباتها الأسرية نحو أبناءها – غالبا ما يحدث ذلك – عندئذ يُمنع ذلك الخروج، بل يُحرم ذلك الخروج، كما أن ذلك الخروج إذا ما تم بثياب تدعو إلى تعلق الأنظار بها، وتجذب الانتباه إليها، بما يُهدد بفساد المجتمع، وضياع الأخلاق، كما يحدث الآن، كان ذلك الخروج ممنوع ومرفوض أيضا.
وإذا كان خروجها لمجرد ما تردده بعض النسوة أو فتيات اليوم من أنها ترغب في إثبات ذاتها، وتحقيق استقلالها عن زوجها، مع عدم حاجتها لذلك المال، نظرا لالتزام زوجها بالإنفاق عليها، فذلك الخروج ممنوع أيضا، وإذا كان الخروج قائما على أساس من الاختلاط بالرجال، اختلاطا ينال من شرف وعرض المرأة، كما يحدث في كثير من الأعمال، فذلك الخروج يُحرم ويمنع أيضا، وإذا كان ذلك الخروج يجعلها تأخذ مكان الرجال فيما تقوم به من أعمال لا تتفق مع طبيعتها وخلقتها، التي جُبلت عليها فذلك الخروج ممنوع أيضا.هذا ما يخص خروج المرأة للعمل في الإسلام، فهو حريص كل الحرص على صيانة كرامة، وعرض وحياء المرأة، عما يُهينه أو يخدشه.

المراجع:
(1) علي الأنصاري.المرأة تعليمها وعملها في الشريعة الإسلامية .صفحة 65 .
(2) سورة الذاريات.آية 56 .
(3) سورة القصص : 33ـ 24
(4) سورة البقرة : ٢٣٣
(5) هو الجمل الذي يسقي عليه
(6) الدلو الكبير
(7) يعادل ٣٦٩٦ متر
(8) كلمة تقال لإناخة البعير
(9) رواه البخاري – (5/ 2002) حديث رقم ٢١٨٢– حديث رقم ٤٩٢٦ ، ومسلم – ٤ / ١٧١٦ – حديث رقم 2182
(10)  أن تجد نخلها : الجداد بالفتح والكسر صرام النخل، وهو قطع ثمرتها
(11)  رواه مسلم – ٢/ ١١٢١ – حديث رقم ١٤
 (12) الأزهر هدية صفر 1416هـ ــ يوليو 1990م :حول اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة من المنظور الإسلامي " للإمام الأكبر المرحوم الشيخ جاد الحق على جاد الحق " شيخ الأزهر السابق، رئيس التحرير : د/ على احمد الخطيب
(14) سورة النساء – 15 –
(15) كتاب " حكم ترشيح المرأة فى المجالس النيابية " د/ يوسف القرضاوي إعداد : جيهان عبد اللطيف الحلفاوي " المرشحة لانتخابات مجلس الشعب 2001 عن دائرة المنتزة بالإسكندرية

الثلاثاء، 13 أغسطس 2019

(7) بقاء المرأة في المنزل:رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:الباب الثالث: الإسلام والمرأة


الباب الثالث: الإسلام والمرأة
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن المرأة:
(7) بقاء المرأة في المنزل:
توطئة:
يحاول البعض من أعداء الإسلام إلصاق التهم والريب به، استمرارا منهم لمسلسل الافتراء الذي لم ولن ينتهي، نظرا لأنه لم يُبنى على حقائق راسخة، وإنما بنُي على حقد دفين قد استقر في القلوب، فباتت تكسو الحق ثياب الباطل، وتجعل المكرمة ذنب، وسيئة لا تُغتفر، والتهمة التي يحاول هؤلاء الحاقدون إلصاقها بالإسلام اليوم تقول: إن الإسلام قد حرم المرأة من العمل، وفرض عليها الحجاب، لكي يفرض عليها عدم الخروج من المنزل، والبقاء فيه طيلة حياتها، لا تخرج منه، ولا تُغادره.
هذا هو الاتهام الذي عمل هؤلاء الحاقدون على إلصاقه بالإسلام، وهو اتهام لا يخلو عما سبقه من اتهامات، التي بُنيت على مزاعم باطلة وخاطئة، لا تقوم على سند يدعمها ويقويها من الواقع، ولكن ما تقوم عليه هو: الحقد والكيد والغل.
والآن تعالين بنا نرى حقيقة تلك الاتهامات:
أما ما يخص القول بحرمان المرأة من حقها في العمل: فهذا محض افتراء، وادعاء ثبت كذبه، عند حديثنا عن حق المرأة في العمل ضمن حقوقها التي تسويها اقتصاديا بالرجل، والتي كفلها لها الإسلام، ولم يكفلها لها غيره من الشرائع البالية، فقد وجد في عصر النبوة وبعده العديد من النساء العاملات، واللائي لم يُحرمن من العمل أمثال: أم المؤمنين السيدة/ زينب بن جحش، كما أن المرأة قد اشتركت في ميدان القتال جنبا إلى جنب مع الرجال مثل: السيدة/ أسماء بنت يزيد، والسيدة/ نُسيبة بنت كعب، والسيدة/ هند بنت عُتبة، وغيرهن كثيرات، كما كان منهن الشاعرات أمثال الخنساء، كما كان منهن الناقدات الأديبات أمثال: السيدة/ سكينة بنت الإمام الحسين – رضي الله عنهما – كما كان منهن الطبيبات والممرضات مثل السيدة/ فاطمة الزهراء بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – و رفيدة الأسلمية.
وبذلك ينتفي الزعم بأن الإسلام قد حارب عمل المرأة، أو أنه حارب خروجها من منزلها لقضاء حوائجها، فمن المعلوم أن الله – سبحانه وتعالى - خلق الكائنات الحية ، وقسم كل مخلوقاته إلى جنسين : ذكر وأنثى ، وجعل لكل جنس وظائفه المناسبة لقدراته وإمكاناته وطبيعة خلقته.
والتوزيع الطبيعي في الوجود يقتضي أن يكون عمل الرجل الطبيعي خارج البيت ، وعمل المرأة الطبيعي في داخل البيت، وكل منْ قال غير هذا فقد خالف الفطرة وطبيعة الوجود الإنساني ؛ لأن البيت هو المكان الطبيعي الذي تتحقق فيه وظائف الأنوثة ، وثمارها ، وأن بقاءها فيه بمثابة الحصانة التي تحفظ خصائص تلك الوظائف وقوانينها ، وتجنبها أسباب البلبلة والفتنة ، وتوفر لها تناسقها وجمالها ، وتحيطها بكثير من أسباب الدفء والاستقرار النفسي والذهني وسائر ما يهيئ لها الظروف الضرورية لعملها (1)
فلم يخلق الحق – تبارك وتعالى – هذه المخلوقات هباءا، ولكنه جعل لكل مخلوق وظيفته المناط به تحقيقها ، والتي لا يمكن لغيره أن يقوم بها مثله ، وهذا أمر معروف وثابت لدى علماء الأحياء فيما يسمى بالتوازن البيئي ، ومن هذه المخلوقات : الإنسان ، والذي خلقه لأسمى الوظائف وأعلاها حيث أمره بعبادته كما قال تعالى :"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "(2)
وينبغي علينا ألا نغفل:
• ما دلت عليه الدراسات من الفوارق الكبيرة في طبيعة التكوين الجسماني بين الرجل والمرأة ، حيث أثبت أن كل خلية في الرجل يختلف عملها عن نظيرتها في المرأة إضافة إلى أن المرأة تتعرض لأمور تعيقها كالحيض والنفاس والحمل ونحوها .
• أن العمل الناجح  هو الذي يقوم على التخصص ، فيكون لكل فرد عمله الخاص ، والحياة الأسرية ميدان عمل كبير ، لكل من الرجل والمرأة عمله الخاص الذي لا يشاركه فيه الآخر ، فعلى الرجل النفقة والكد والعمل لتحصيلها ، وعلى المرأة رعاية الأسرة وتربية الأولاد والقيام بواجب بيتها .
• للمرأة في بيتها من الأعمال ما يستغرق جهدها وطاقتها إذا أحسنت القيام بذلك خير قيام ، فالمرأة مطالبة بالقيام بحق الأطفال ، والقيام بشؤون المنزل والتي تستهلك وقتها كله ، فالمرأة التي تعمل خارج المنزل لا تستطيع القيام بأعباء المنزل على الوجه الأكمل ، بل لابد أن تقصر في جانب من الجوانب ، والذي –بالطبع- سيكون له الأثر السلبي على الحياة الأسرية الناجحة (3).
فالبيئة الناجحة لعمل المرأة هو منزلها ، فهي إن أحسنت العمل فيه والقيام بواجباته فستكون سبباً واضحاً في إنشاء أسرة تعيش عيشة هانئة ، والتي ستكون نواة في إخراج جيل ناجح إلى المجتمع.(4)
والآن تعالوا بنا نرد في نقاط محدده على ما زعمه أعداء الإسلام من أنه قد حرم المرأة من العمل، وفرض عليها الحجاب، لكي يفرض عليها عدم الخروج من المنزل، والبقاء فيه طيلة حياتها، لا تخرج منه، ولا تُغادره، وذلك باستعراض النقاط التالية:
المراجع:
(1)                       علي الأنصاري.المرأة تعليمها وعملها في الشريعة الإسلامية .صفحة 65 . سورة
(2)                       الذاريات.آية 56 .
(3)                       عبد الله بن وكيل الشيخ . عمل المرأة في الميزان . صفحة 11 .
(4)                       موقع صيد الفوائد: ضوابط عمل المرأة في الإسلام: أبو زيد.