الباب
الثالث: الإسلام والمرأة:
رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن
المرأة:
(4) تعدد زوجات الرسول الكريم
– صلى الله عليه وسلم -:
ثانيا: أحوال و ملابسات زواجه –
صلى الله عليه وسلم – من زوجاته – رضي الله تعالى عنهن –
(13)
الخلاصة في تعدد زوجات النبي – صلى الله عليه وسلم -
من كل ما تقدم يتضح لنا كذب الادعاءات
والافتراءات التي حاول هؤلاء الحاقدون أصحاب الميراث القديم والدفين من العداء
الصاقها بشخص الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – من أن زواجه من أمهات المؤمنين
كان ناتجا عن تحكم الهوى وشهوة الجسد وبالقطع فهذا الكلام ينطوي على الكثير من
المغالطات التي جاءت نتيجة حتمية لكم الأحقاد التي تلاعبت بأفئدة وعقول
المستشرقين.
- فالرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم
يتزوج حتى الخامسة والعشرين من عمره فكانت فترة عزوبته فترة طهر ونقاء رغم أنها
فترة القوة والشباب، فلقد أدَّبه الله -سبحانه وتعالى - فأحسن تأديبه.
ثم تزوج سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو
في الخامسة والعشرين من عمره – 25 – بالسيدة خريجة بنت خويلد "رضي الله
عنها" وهى في الأربعين من عمرها – 40 – وقد سبق لها الزواج من قبل – فعاش
معها - صلى الله عليه وسلم - خمساً وعشرين سنة – 25 – لم يتزوج غيرها.
وبعد وفاة السيدة خديجة - رضي الله عنها -تزوج
سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بالسيدة
سودة بنت زمعة "رضى الله عنها" لكي يتكّفَّلَ بهذه الأرملة بعد وفاة
زوجها بعد هجرة الحبشة الثانية.
وبعد هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة كانت
بداية تأسيس الدولة الإسلامية وظهرت هناك مجموعة من الأسباب الاجتماعية،
والتشريعية والتعليمية و قد أدت إلى حاجة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الزواج بأكثر من
زوجة للمساهمة في بناء المجتمع الجديد ولظهور أسباب معينة يستلزم معها الزواج بكل
زوجة من الزوجات،فهل من المعقول أن نحكم على رجل أنه شهواني وقد قضى زهرة شبابه
وقوته مع زوجة واحدة تزيد عنه في العمر خمسة عشر عاماً ؟! فضلا عن كونها ثيبا سبق
لها الزواج من غيره؟!
هذا بخلاف أن كل من تزوجهنَّ بعد ذلك أرامل
أو سبق لهن الزواج وكان لأسباب هامة كما سنذكر فيما بعد أن شاء الله ، ماعدا
السيدة عائشة فهي البكر الوحيدة من بينهن.
- كما أن رسول الله "صلى الله عليه
وسلم" لم يكن هو الوحيد الذي تزوج من بين الرسل بأكثر من زوجة ، فغيره من
الرسل قد فعل كسيدنا داود وسيدنا سليمان "عليهما السلام" والكثير من
أنبياء بنى إسرائيل الذين كانوا جميعا معددين للزوجات بدءا من جدهم سيدنا إبراهيم
"عليه السلام" فلماذا لم ينكر أحد على هؤلاء الأنبياء جميعا زواجهم
بأكثر من زوجة بينما أصبح سيدنا محمد - صلى
الله عليه وسلم - هو المهتم الوحيد من بينهم ؟!
- هذا ولا يغيب عن كل ذي رأي حصيف أن الرسول
– صلى الله عليه وسلم – الذي ضن على نفسه بالعيش الرغد، رغم قدرته على ذلك، لم
تتمكن منه - صلى الله عليه وسلم - رغبة أو
شهوة أو هوى قبل البعثة فقد كان مثالا يُحتذى في كل شئ من الأخلاق الكريمة، فهل
يُعقل أن تتحكم به شهوة الجسد بعد البعثة والنبوة؟! فهذا كلام لا ينسجم مع العقل
السليم، فلنسمع لما تقوله السيدة/ أم سلمة – رضي الله عنها – وهي تصف لنا طعام
رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليلة عُرسه عليها، فماذا كان في بيت العريس؟!
تقول: " دخلت فإذا جرَّة هناك فاطلعت فإذا فيها شئ من شعير، وإذا رحى وبرمة،
وقد نظرت، فإذا فيها كعب من إهالة – شحم – فأخذت ذلك الشعير فطحنته، ثم عصدته في
البرمة،وأخذت الكعب من الإهالة فأدمته به، فكان ذلك طعام رسول الله – صلى الله
عليه وسلم – وطعام أهله ليلة عرسه"
- بالله عليكم أمثل ذلك البيت الذي لا يأكل
سوى خبز الشعير المغطى بالشحم، بل كثيرا لا يوجد به سوى التمر، أمثل ذلك البيت،
الذي لا يوجد فيه إلا مثل ذلك الطعام، يمكن أن يُقال أن صاحبه وسيده، كان ذا شهوة
أو هوى؟!
- كما ينبغي علينا ألا نغفل الخلاف الذي نشأ
بينه - صلى الله عليه وسلم - وبين زوجاته
اللائي كن يطمعن في مزيد من النفقة التي كانت بين يديه – فهو الذي كان يُقسم الفئ
الغنائم بين أصحابه – ولو زاد نفسه شئ – فلن يحدث شئ – ولكنه – صلى الله عليه وسلم
– كان يرفض ذلك بشدة، ويُخير زوجاته بين العيش معه على هذا الحال والمنوال من
التقشف وبين الطلاق والتفريق، ولكل منهن نفقتها، وطلب منهن التفكير، ومشورة أهلهن،
ولقد خلد القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل
لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا
فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } * { وَإِن
كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ
أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}(1) (2)
أمثل ذلك الرجل النبي الرسول – صلى الله عليه
وسلم – يمكن أن يُقال فيه أنه كان صاحب شهوة أو هوى؟!
- هذا ولا يغيب عنا شئ آخر وهو لو كان لتلك
الشهوة أو الهوى أدنى أثر في زيجاته – صلى الله عليه وسلم – لكان ذلك الأثر واضحا
وجليا في اللائي وهبن أنفسهن له – صلى الله عليه وسلم – وكن كثيرات، وكلهن يتمتعن
بالجمال، وبما يثير الشهوة، ولكنه – صلى الله عليه وسلم- لم يستجيب لذلك، رغم
إباحة الله له خاصة من دون المؤمنين، مثلما اختصه بزيادة عدد زوجاته عن أربع، وكان
ذلك الرفض منه – صلى الله عليه وسلم – لأنه في زيجاته كانت له أهداف بعيدة كل
البعد عن الشهوة والجسد، فقد كان يهدف إلى توطيد دعائم الدين الجديد، وتقوية شوكته
من خلال المصاهرة، التي كان علاقة لها احترامها المشهود بين العرب قال تعالى:
{ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً
لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ
أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ
وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }(3)

- نقطة أخيرة إذا كان للشهوة الجسدية أثر في
قلب الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو بمعنى آخر قد تمكن حب الجمال في النساء منه،
فلماذا لم يلجأ إلى الأبكار الحسان، وكن كثيرات؟! فإن الزواج من البكر أفضل من
الزواج من الثيب؟! لدرجة أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يحث أصحابه على الزواج من
الأبكار، بينما هو – صلى الله عليه وسلم – كان يتزوج من الثيبات بل الطاعنات في
العمر؟! لماذا؟! لأنه – صلى الله عليه وسلم – لا يبحث عن شهوة الجسد، وإنما يبحث
ويهتم بتوطيد دعائم الدين الجديد، فلنستمع إليه – صلى الله عليه وسلم – يوصي أصحابه
قائلا: " عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وأرضى
باليسير"(4)
بالله عليكم أمثل ذلك الرجل النبي الرسول
الكريم الصادق الأمين – صلى الله عليه وسلم – يمكن أن يُقال فيه أنه كان ذا شهوة
أو هوى؟! و الآن تعالوا بنا نرى بعض الأسباب و الدواعي السياسية والاجتماعية
والدينية التي دعت الرسول – صلى الله عليه وسلم - لتعديد زوجاته، والتي ظهرت جليه
للعيان:
أولا : نشر التعليم و توريث الإسلام والدعوة:
فلا بد من دخول ناس لبيت الرسول - صل الله
عليه وسلم- لنقل التفاصيل المطلوبة لتعليم الأمة،والمرأة هى نصف المجتمع فهي تحتاج
أن تتعلم فأراد النبي "صلى الله عليه وسلم" أن يجعل من كل زوجاته معلمات
لجميع المسلمين والمسلمات ليبينوا لهم دينهم وديناهم ويعلموهم الحلال والحرام في
كل أمورهم.
فهناك أمور خاصة بالنساء تتعلق بأحكام الزواج
والحيض والنفاث والطهارة وغيرها تحتاج فيها المرأة أن تسأل أمرأة مثلها وقد تخجل
من سؤال النبي "صلى الله عليه وسلم" عنها فكان هذا هو دور زوجات النبي
"صلى الله عليه وسلم".
ولقد كان من المستحيل أن تقوم زوجة واحدة أو
زوجتان بتحمل هذه المسؤولية العظيمة في هذا الدور التعليمي للأمة الإسلامية مهما
أوتيت من قوة الذاكرة والذكاء والقدرة على الحفظ.
ولا ننسى دورهن الكبير في رواية الأحاديث
النبوية
فلقد
ذكر الرواة أن عدد الأحاديث التي روتها نساء رسول الله "صلى الله عليه
وسلم" عنه قد جاوزت ثلاثة آلاف حديث – 3000 – روت منهم السيدة عائشة
"رضى الله عنها" 2210 حديث – ويليها السيدة أم سلمة "رضى الله
عنها" فقد روت 378 حديثاً. وباقي الزوجات كن تتراوح أحاديثهن بين 11 الى 65
حديثاً وهذا الاختلاف في رواية كل واحدة عن الأخرى يرجع الي:- الذكاء - مدة الحياة
الزوجية - امتداد العمر بعد وفاة النبى "صلى الله عليه وسلم" ، وقد
اجتمعت كل هذه الأسباب للسيدة عائشة "رضى الله عنها" فلقد عاشت بعده 42
سنة تنشر العلم.
ثانيا: كسب التأييد وتأليف القلوب و تأصيل العلاقة بين الصحابة وتشبيكها مما يؤدي
إلى تماسك الأمة:
فالدعوة الإسلامية لازالت في مرحلة المهد و
تحتاج إلى التبليغ وكسب التأييد لنشرها بين الناس والإكثار من أتباعها لذلك
وجدناه عليه السلام يتزوج بابنة أبي بكر
وبنت عمر بن الخطاب ويزوج ابنتيه لسيدنا عثمان،والبنت الثالثة لسيدنا علي رضي الله
عنهم جميعا وأرضاهم ، ويتضح لنا هذا من زواجه – صلى الله عليه وسلم – من:
· السيدة جويرية بنت الحارث -رضى الله عنه - فقد
تم أسرها مع قومها في غزوة بنى المصطلق وهى بنت (الحارث بن أبى ضرار) سيد قومه ،
فعرض عليها النبي "صلى الله عليه وسلم" إن يفديها ويتزوجها إذا أرادت ،
فوافقت وفرحت جداً.
فما هى نتيجة هذا الزواج ؟! قام الصحابة
بتحرير جميع الأسرى إكراما لهذه الزوجة فما كانت امرأة أعظم على قومها بركة منها
"رضى الله عنها" ، ودخل قومها جميعاً فى الإسلام وهم راضون وراغبون
نتيجة هذه المعاملة الطيبة.
ثالثاً: اكتمال التشريع من خلال إبطال الإسلام لعادة التبني التي كانت
منتشرة في الجاهلية قبل الإسلام:
فقد كان من عادة العرب في الجاهلية تبنى
أبناءً يعطونهم أسماءهم ويكون لهم الحق في ميراثهم ولا يتزوجون المحرمات من نسائهم
كابنه هذا الرجل باعتبارها أخته.. فأراد الله تبارك وتعالى أن يلغى هذه العادة،
وهذا ما يتضح لنا من خلال زواج النبي – صلى الله عليه وسلم – من السيدة/ زينب بنت
جحش.
فكان النبي "صلى الله عليه وسلم"
يتبنى قبل الإسلام سيدنا زيد أبن حارثه وكان لقبة زيد ابن محمد فأمر الله تبارك
وتعالى سيدنا محمد "صلى الله عليه وسلم" أن يزوج زيد متبناه من السيدة
زينب بنت جحش أبنه عمه النبي "صلى الله عليه وسلم" فتزوجها – ولكنها
كانت تتعالى عليه لشرفها في قومها ، فطلقا سيدنا زيد بعد أن أستأذن النبي
"صلى الله عليه وسلم" في ذلك فأذن له بعد أكثر من محاولة للإصلاح
بينهما.
ثم أمر الله تبارك وتعالى أن يتزوج النبي
"صلى الله عليه وسلم" بالسيدة زينب بنت جحش بدون عقد الإبطال عادة
التبني وأن سيدنا زيد سيصبح أسمه مرة أخرى زيد أبن حارثة ويكون ذلك بأمر الله
تعالى حتى لا يكون هناك حرج على المؤمنين في الزواج بزوجات طليقات أبنائهم بالتبني
– فكان زواج النبي "صلى الله عليه وسلم" لهدف تشريعي واجتماعي وهو إبطال
الإسلام لعادة التبني.
رابعاً: تحقيق التكافل من خلال رعاية الأرامل والأيتام:
ومن أمثلة ذلك:
- السيدة/ سودة بنت زمعة "رضى الله
عنها": فقد تزوجها النبي "صلى الله عليه وسلم" بعد وفاة زوجها.
- السيدة/ هند أم سلمة المخزومية "رضى
الله عنها": وقد تزوجها النبي "صلى الله عليه وسلم" بعد وفاة زوجها
في غزوة أحد وقد كانت كبيرة في السن وأم أيتام.
- السيدة/ أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان
"رضى الله عنها، التي أسلمت مع زوجها بمكة ثم هاجرت معه إلى الحبشة ، فتنصر
زوجها هناك وتركها في هذه البلد الغريبة فأرسل "النبي صلى الله عليه
وسلم" إلى (النجاشى) يخطبها حتى لا تفكر في العودة إلى مكة فيؤذيها أهلها
فكان هذا الزواج من الأسباب الأساسية التي دفعت أبو سفيان وهو والدها ومن سادة
قريش إلى الدخول في الإسلام.
خامسا إقامة الدليل العملي على جواز الزواج
بالكتابيات من اليهود والنصارى:
ومن أمثلة ذلك:
- السيدة صفية بنت حيى بن أخطب - رضى الله
عنها-
فكانت من يهود بنى النضير وابنة زعيمها
فخيرها النبي "صلى الله عليه وسلم" بعد أن وقعت في الأسر وقتل زوجها في
غزوة خبير بين أن يعتقها النبي "صلى الله عليه وسلم" وتكون زوجته أو
تعود لأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته.
فأراد النبي "صلى الله عليه وسلم" بزواجه
منها تأكيد حق المسلمين في الزواج من اليهوديات،وعدم إذلال هذه المرأة وأن يشجع
المسلمين على إعتاق الرقيق وعلى تشجيع اليهود على الإسلام أو على الأقل عدم إيذاء
المسلمين.
- السيدة/ مارية القبطية – رضي الله عنها-
الجارية التي أرسلها له المقوقس عظيم القبط
في مصر، والتي تزوجها وأنجب منها ابنه إبراهيم، وذلك لتأكيد حق المسلمين من الزواج
من النصرانيات.
سادساً: إعطاء القدوة في التعامل مع زوجاته:
حتى نتعلم من النبي "صلى الله عليه
وسلم" ونهتدي به في طريقة معاملته لزوجاته في بيته وذلك لتنوع طبائع النساء
واختلاف شخصياتهن ومن أمثلة ذلك:
- القسمة بالعدل : في الوقت والمأكل
والنفقة.. وإذا أراد السفر عمل بينهن قرعة ، ولما حج أخذهن كلهن معه.
- احترامه لآرائهن.
- مساعدته لهن في خدمة البيت.
– استنكاره ورفضة ضرب النساء.
- وفاؤه لمن مات منهن.
- مداعبتهن والبشاشة لهن.
– وقوفه منهن موقف المصلح.
وفي النهاية علينا أن نُدرك:أن مشروعية
التعدد بهذا العدد فوق أربع زوجات كانت خصوصية من خصوصيات الرسول - صل الله عليه
وسلم - كخاصية وصال الصيام والقيام ...
وإن أحب أحد أن يعدد ويقتدي بالنبي - صلوات
الله وسلامه عليه – مع الإلتزام بالأربع، فليكمل الإقتداء ولتكن دواعي زواجه
كدواعي زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم ليكتمل الأجر وينتفي الإثم الذي حذر منه
الله عز وجل { َلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ
حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن
تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}(5)
لذا قال العلماء إن من يتيقن من نفسه عدم
العدل بين النساء لا يجوز له التعدد. والعدل يلزمه في ثلاثة أمور:
الأول: العدل في المبيت بحيث يخص كل واحدة
منهن بالمبيت ليلة عندها أو حسب الاتفاق بينه وبينهن، وتراعى في ذلك ظروف عمل
الرجل وإقامته.
الثاني: العدل في الإنفاق بحيث يسد حاجة كل
واحدة منهن من النفقة ولا يفضل إحداهن على الأخريات، وإن كان لإحداهن أولاد أكثر
فيقدر إنفاقهم أيضاً ويضمه إلى نفقة والدتهم.
الثالث: العدل في السكنى، بحيث يكون لكل
واحدة سكن يتناسب مع مستواه الاجتماعي وإمكاناته المادية سواء كان سكناً مستقلاً
لكل واحدة، أو سكناً مشتركاً لكل واحدة ما يكفي حاجتها ويريح إقامتها فيه.
ومن شروط التعدد القدرة على الإنفاق على
نسائه، فإن كان عالماً بضيق ذات يده بحيث لا يغطي حاجياتهن الأساسية من مطعم وملبس
ومسكن، وسيعرضهن للحرمان أو الاستجداء فيأثم في التعدد.
وكذلك من شروط التعدد: القدرة على الإحصان،
بحيث يقطع استشرافهن إلى الحرام.
ولا يلزم الرجل المساواة بين الزوجات في
الحب، والميل الجنسي، لأن القلب ليس ملكه ولا يستطيع توزيع عواطفه ومشاعره بينهن
بالتساوي.(6)
ذكر أحد العلماء أنه التقى بأحد المستشرقين
فقال له المستشرق كيف تحترمون رجلاً تزوج بتسع نسوة، فلم يشرح له العالم أسباب
زواج النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العدد، لأن هذا قد أعماه التعصب والحقد، فقال
له وهل تحترمون أنبياء التوراة؟ قال: نعم. قال وهل تحترمون داود عليه السلام؟ قال:
نعم. قال وهل تحترمون سليمان عليه السلام؟ قال: نعم. قال فإن داود كان له تسع
وتسعون امرأة وأكملهن مائة، وسليمان كان له 300 زوجة و 700 جارية فلم يحر جواباً
وسكت الحاقد.(7)
وهكذا يحلو لبعض المغرضين و الحاقدين : بأن
يتهم الرسول - صلَّى الله عليه وسلم - بأنه قد تزوج عدة نساءٍ استجابة لرغبة جنسية
جامحة ، كان يعاني منها.
و لكن، بعد ما تقدم فإننا نخرج بنتيجة حاسمة
تُثبت أن هذا الكلام محض خيال زائف ليس له منطق يساعده و لا حجة يتعمد عليه ، و
ذلك بملاحظة ما يلي :
- فحب الرجل للمرأة أمر طبيعي غير مستغرب و
لا يتعارض مع مكانة الرجل و مقامه و منزلته مهما علت و شمُخت ، وينسجم مع الفطرة
الإنسانية، و لقد كان النبي - صلَّى الله عليه وسلم - رجلاً إنساناً فطبيعي أن
يميل إلى المرأة و يشعر بالمتعة معها ، فرسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - حتى و
لو كان زواجه بهذا العدد من النساء بدافع المتعة و الالتذاذ فهو أمر غير مستغرب،
ولا يُعاب عليه كإنسان، لكن ما اتضح من دراسة الحياة الزوجية للنبي - صلَّى الله
عليه وسلم - تكشف لنا أن دافعه لم يكن المتعة، ولا إرضاء شهوة الجسد،و ذلك لأن
أكثر زوجاته - صلَّى الله عليه وسلم - كنّ ثيِّبات ، إما مطلقات ، أو ترمّلن من
أزواجهن قبله - صلَّى الله عليه وسلم -
فلو كان- صلَّى الله عليه وسلم – باحثا عن الجنس
و المتعة لتزوج خيرة الفتيات الأبكار ، و لوجد أولياءهن يفتخرون بمصاهرته لهم ، و
هو الذي حثّ و حبَّذ و أثنى على الزواج بالأبكار ، و رغّب فيه بشكل واضح و ملموس.
- إنه- صلَّى الله عليه وسلم - و هو في مكة
بقي 25 سنة مع زوجته خديجة ، المرأة الوفية ، التي كانت تكبره سناً ، و لم يتزوج
عليها في حياتها أحداً ، مع أن تعدد الزوجات كان مألوفاً لدى الناس آنئذٍ.
- رفضه لعرض قريش بالزواج بأي النساء شاء ،
في مقابل أن يلين في موقفه ، و يخفف من مواجهته لآلهتهم و عقائدهم الفاسد
- إن زوجاته - صلَّى الله عليه وسلم - كنّ
على كثرتهنّ من قبائل شتى ، فلا تكاد تجد منهم اثنتين من قبيلة واحدة ، إلا من
اللواتي لم يدخل بهن.
- إن جميع زوجاته باستثناء السيدة/ خديجة ،
دخلن بيت الزوجية عنده بعد الهجرة إلى المدينة المنورة ، أي بعد تجاوزه سنّ
الخمسين ، و بعضهن تزوجهن - صلَّى الله عليه وسلم - قبل وفاته بمدة قليلة.
- إن هذا التعدد لم يشغل النبي - صلَّى الله
عليه وسلم - عن واجبات الرسالة ، و لم يخرجه عن اتزانه ، و لم يطغى على وقته و نشاطه
، فتاريخ حياته - صلَّى الله عليه وسلم - يشهد بأنه - صلَّى الله عليه وسلم - لم
يكن يهتم بهذه الأمور حتى في الجاهلية، فقد كان مثال العفاف و الطُهر الرفيع ، و
لم يلوث نفسه بأيٍ عمل قبيح مما كان منتشرا في مجتمعه، و لم يستطع أحد من أعدائه
أن يعيره بشيء من ذلك .
- أنه - صلَّى الله عليه وسلم - قد خير زوجاته بين الصبر على حياة التقشف معه ،
و بين الطلاق و الفراق ، فلو كان زواجه بهن بسبب طغيان الغريزة الجنسية لديه ، لوجب
عليه الإحتفاظ بهن في جميع الأحوال ، و لا يفرط بهن لمجرد حبّه لحياة التقشف و
الزهد.
وفي النهاية نطرح هذه الأسئلة على صاحب كل
قلب حصيف:
-هل استيقظ الشعور الجنسي فجأه فيه - صلَّى
الله عليه وسلم – بعد الهجرة إلى المدينة بالذات و بعد شيخوخته و بلوغه - صلَّى
الله عليه وسلم - أواخر العمر ؟!
- ألم يستيقظ هذه الشعور الجنسي خاصة إلا على
النساء الثيبات اللواتي ترملن ؟ أو طلقهن أزواجهن؟!
- إذا كانت الطاقة الجنسية غير متجددة و
تتلاشى مع زيادة العمر، فهل أصابته - صلَّى الله عليه وسلم - الفحولة فجأة ليتزوج بهذا العدد من النساء بعد
تجاوزه للثالثة والخمسين من عمره؟! وأي إقبال جنسي على نساء طاعنات في العمر؟! ألا
يحتوى ذلك الزعم الباطل بتغلب شهوة الجسد عليه - صلَّى الله عليه وسلم - على كثير من الزيف بل والحقد الذي أعمى القلوب
قبل الأبصار؟! والإجابة لكم؟!
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل
فقير من أهل القرية .. بقدح مملوءةً عنباً يُهديه له .
فأخذ رسول الله القدح .... وبدأ يأكل العنب
... فأكل الأولى وتبسم ...
ثم أكل الثانية و تبسم ...
و الرجل الفقير ... يكادُ يطير فرحاً بذلك
... و الصحابة رضي الله عنهم ينظرون .. وقد أعتادوا على أن يشاركهم رسول الله في
كل شيء يُهدى لهُ ...
ورسول الله يأكل عنبة عنبة ... ويتبسم .. حتى
أنهى العنب كله بأبي هو و أمي ... و الصحابة متعجبون !!!!
ففرح الفقير فرحاً شديداً .. وذهب ..
فسأله أحد الصحابة .. يا رسول الله .. لما لم
تُشاركنا معك ؟!!
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال :
قد رأيتم فرحته بهذا القدح الذي أهداهُ لي ..
و إني عندما تذوقته .. وجدته حامض فخشيتُ إن
شاركتكم معي .. أن يُظهر أحدكم شيء يفسد على ذاك الرجل فرحتهُ .
(( و إنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظيم )) صل الله عليه
وسلّم. فمثل هذا الرجل تغلبه شهوة؟! أو تقهرة رغبة؟! فهذا ما لا يقبله عقل؟!
المراجع:
(1)
سورة
الأحزاب: 28
(2)
طبقات ابن
سعد ج/ 92.
(3)
سورة
الأحزاب: 50.
(4)
ابن ماجه –
1861.
(5)
سورة النساء:
129.
(6)
الحكمة من
تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم أ. د. مصطفى مسلم.
منتدى الألوكة
(7) تعدد
زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم كان لأمور تشريعية وأسباب إنسانية،
رقم الفتوى: 1570 موقع إسلام ويب.