رابعا: مآخذ أعداء الإسلام بشأن
المرأة:
(5) ملك اليمين: السراري
والإماء:
توطئة:
الرقيق في اللغة هو: المملوك ذكراً كان أم أنثى، والرق في اصطلاح
الفقهاء هو: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر، أو هو عجز شرعي مانع للولايات من
القضاء والشهادة وغيرها.
قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله : "وسبب الملك بالرق : هو الكفر ،
ومحاربة الله ورسوله ، فإذا أقدر اللهُ المسلمينَ المجاهدين الباذلين مُهَجهم
وأموالهم وجميع قواهم وما أعطاهم الله فتكون كلمة الله هي العليا على الكفار :
جعلهم ملكاً لهم بالسبي إلا إذا اختار الإمام المنَّ أو الفداء لما في ذلك من
المصلحة للمسلمين.(1)
وأسبابه ثلاثة:
الأول: الأسر والسبي من الأعداء الكفار.
الثاني: ولد الأمة من غير سيدها يتبع أمه في الرق.
الثالث: الشراء ممنْ يملك الرقيق ملكاً صحيحاً معترفاً به شرعاً.
هذا، والأصل في الإنسان الحرية والرق طارئ، والله تعالى خلق آدم
وذريته أحراراً، وإنما الرق لعارض الكفر.
والأصل كذلك في الرقيق أنه مكلف كسائر المكلفين متى كان بالغاً
وعاقلاً رجلاً كان أم امرأة، وهو مجزي عن أعماله خيراً أو شراً، وأنه يوافق
الأحرار في أغلب الأحكام باستثناء بعض الأحكام التي يختص بها الرقيق.
أما الاستمتاع بالإماء، فإنه لا يكون مشروعاً إلا إذا كان في ملك تام
للمستمتع، أو نكاح صحيح، وما خرج عن ذلك فهو محرم، لقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ
هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ*إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ
فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } (2)
بعض الذين في قلوبهم مرضٌ من مستشرقين أو مستغربين أو مُلحِدين
يقولون: كيف يبيح الإسلام نظامَ الجواري؟ وكيف يترك المجالَ للسيد أن يقضي وطرَه
بعدد من النساء رغبة في لذة الجنس وإشباع الشهوة؟(3)
وقبل الرد على هذا الإتهام علينا أن نُدرك: أن الآمة التي يحل
الاستمتاع بها إما أن تكون زوجة، وإما ملك يمين، كما يشترط لوطئها الملك التام،
وأن لا يقوم بها مانع يقتضي تحريمها عليه.
يُقصد بملك اليمين (الإماء/ السراري): تلك المرأة الأسيرة في الحرب
المشروعة التي ضرب عليها إمام المسلمين الرق وملكها لأحد المجاهدين، وعندها تصبح
بذلك ملك يمينه، وعليه أن يكرمها ويفتش لها عن زوج يعفها، فإذا لم يجد فله أن
يعفها بنفسه بملك اليمين من غير حاجة إلى عقد زواج،والآن لم يبق رقيق في العالم
الإسلامي لاتفاق المسلمين وغيرهم على منع الرق. أما الخادمةٍ الحالية الآن فهي حرة
وليست من ملك اليمين، ولا يجوز اعتبارها رقيقة أصلا؛ لأنها حرة والحر لا يملك.
يحاول المستشرقون من استغلال قول الحق تبارك وتعالى ( وما ملكت
أيمانكم ) اتخاذ ذلك سبيلا للطعن في الإسلام، فزعموا أن الإسلام قد دعا إلى الرق،
والحقيقة التي لا مجال للطعن فيها، أن الإسلام قد دعا إلى العتق، ولم يدعو إلى
الرق، وذلك على خلاف ما كان منتشرا قبل الإسلام في الحضارات القديمة، التي كانت
تدعو إلى الرق لا إلى العتق.
فهؤلاء يتهمون الاسلام بالاعتراف بالرق وتسويغه بينما حرمته اوربا
وأمريكا، وقد تناسى هؤلاء أن الاسترقاق لا يزال قائما حتى اليوم ولم تفلح اوربا
وامريكا فى منعه بل فاقمت مشكلته ، وأن الحل الاسلامى فى علاج الاسترقاق هو الأفضل.
فالنسمع الي الفكر الأوربي والأمريكي الذي كان سبب في استعباد الزنوج
وابادة الهنود الحمر
فرنسوا شاتليه:
(ما نعرفه من أفريقيا، ممالك الغرب التي تنظم بنفسها توريد العبيد، لا
يُسمح بتصنيف الأفارقة في عداد المتوحشين، ويُقال عن الأفريقي: إنه خُلق ليخدم).
ولعل هذه النظرة الدونية هي التي دفعت المجتمع الأبيض في أمريكا إلى
النظر إلى إخوانهم السود كعبيد لا قيمة لهم، أو لعل قيمتهم تقترب من قيمة
الحيوانات التي تُستخدم في الزراعة ونحوها!
مالكم إكس: يخاطب
الأمريكان السود: (منْ أنتم سوى عبيد سابقين، أنتم لم تأتوا على
"المايفلاور"، أنتم أُتي بكم على سفينة عبيد مقيدين بالسلاسل مثل الخيول
والبقر).
طبعًا "المايفلاور" MAYFLOWER هي
السفينة التي نقلت المهاجرين والحجاج الإنجليز الأوائل من "بلايموث" في
إنجلترا إلى شمال فيرجينيا في أمريكا في عام 1620م.
منتسكو: يقول في كتابه
الشهير "روح القوانين" مُبينًا حجة من يرى استعباد السود: (إذا كان علي
أن أدافع عن حقنا في اتخاذ الزنوج ذوي البشرة السوداء عبيداً، فإنني أقول: إن شعوب
أوروبا وقد أفنت سكان أمريكا الأصليين لم يكن أمامها إلا أن تستعبد شعوب إفريقيا،
لكي تستخدمها في استصلاح أرجاء أمريكا الشاسعة، وما شعوب إفريقيا إلا جماعات سوداء
البشرة من أخمص القدم إلى قمة الرأس، ذات أنوف فطساء إلى درجة يكاد من المستحيل أن
ترثي لها، وحاشا لله ذي الحكمة البالغة أن يكون قد أودع روحاً أو على الأخص روحاً
طيبة في جسد حالك السواد).
بندكت أندرسون: يؤكد أنَّ
الأساس الأخلاقي-الليبرالي الذي قدمه الليبرالي الكولومبي "بيدرو فيرمين دو
فارجاس" في مطلع القرن التاسع عشر من أجل تبرير استبعاد وإبادة الهنود هو في
قوله: (إن كسل الهنود، وغباوتهم، ولا مبالاتهم تجاه الجهود الإنسانية الاعتيادية
تدفع المرء إلى الاعتقاد أنهم ينحدرون من عرق منحط).
الفيلسوف رينان: يؤكد هذا الاعتقاد فيقول: (جنس واحد يلد السادة
والأبطال هو الجنس الأوروبي، فإذا نزلت بهذا الجنس النبيل إلى مستوى الحظائر التي
يعمل بها الصينيون والزنوج فإنه يثور، إن الحياة التي يتمرد عليها عمالنا يسعد بها
صيني أو فلاح من جنس آخر) فهل عالجت أوربا وأمريكا ومنظمات حقوق الإنسان الرق؟!
وهذا ما يدعمه أحد الرحّالة الأوربيين المنصفين في القرن التاسع عشر
الميلادي، وهو كرستيان سنوك الهولندي المولد، والذي نال شهادة الدكتوراه سنة
(1880م) من جامعة ليدن، والذي زار الجزيرة العربية ودخل مكة وبقي في الحجاز سنة
(1882م) ستة أشهر، وكتب حوادث رحلته هذه بالألمانية، وتكلم في هذه الرحلة عن الرق
الذي رآه وشاهده في الحجاز، ومع أنه ليس هو الرق بجميع آدابه الإسلامية إلا أنه
قال عنه: "إن الذي يدخل سوق الرقيق بتصورات أوروبية وفي ذهنه كابينة العم
توم:
Uncle Tom –Cabin، وهي
إشارة إلى الرقيق الذي كان يُرسل إلى العالم الجديد، سيأخذ انطباعاً سيئاً، وسوف
يغادر السوق وهو مشمئز من سوء المنظر، وهذا الانطباع الأولي هو انطباع خاطئ، ومع
الأسف فإن معظم المستشرقين الرحّالة لم يصوّروا لنا إلا انطباعاتهم الأولية، وهذا
هو مصدر الخطأ لديهم".
إلى أن قال: "وعلى العموم فإن الرقيق في العالم الإسلامي لا
يختلف كثيراً عن الخدم والعُمّال في المجتمع الأوروبي، وإن الذي يعرف الظروف
المحليّة يعرف هذا تماماً، ويعلم كذلك أن إلغاء الرقيق يعني ثورة اجتماعية في
الجزيرة العربية.
وهناك العديد من الأوربيين الذين يعرفون جيداً شؤون الشرق، لا يريدون
أن يقولوا ذلك بصراحة؛ لئلا يتهم هؤلاء بأنهم ضد الاتجاه السائد عموماً، الداعي
إلى تحرير الرقيق نهائياً، وبأنهم ضد الاتجاه المبني على مشاعر إنسانية
نبيلة...".
![]() |
| تجارة العبيد في القرن التاسع عشر |
إلى أن قال: "إن خدعة ما يُسمى حركة تحرير الرقيق، ليس سَبَبُها
اهتماماً شعبياً لغاية شريفة، ولكنه لعبة خطرة مزيّفة، يقوم بها رجال السياسة
الكبار، لأغراض غير إنسانية، وذلك من أجل أن يتخذ العالم المسيحي موقفاً عدائياً
خاطئاً ومزيَّفاً ضدّ الإسلام." (4)
وإني لأقول أخيراً: لو علم
الغربيون المنصفون حقيقة أحكام الإسلام، ومن بينها أحكام الرق والسبي فيه، لتمنّوا
النجاة من حياة الخواء الروحي؛ التي يعيشون فيها بسبب عقائدهم الباطلة عن الله
تعالى وأنبيائه وكُتُبه والخروج من حياة الرذيلة، والفحش بسبب الحريّات التي تبيح
الزنا وعمل قوم لوط، ولو بالاسترقاق وَفْقَ أحكام الإسلام!
ولكي تستبين الصورة أمامنا،
وتتضح الحقيقة جلية لا تقبل الشك أو الريبة فيها، فلسوف نعرض لقضية الرق في شيء من
الإطناب، لكي يتضح لنا كيف كان الإسلام يُعامل الرقيق، وكيف أنه عمل على القضاء
على ظاهرة الرق، التي كانت تُهدر فيها كل معاني الإنسانية للرجل والمرأة على حد
سواء، ولسوف يكون عرضنا لتلك القضية من خلال النقاط التالية:
• الرق قبل الإسلام.
• معاملة الإسلام للرقيق.
المراجع:
(1)
أضواء
البيان3 / 387.
(2)
سورة المؤمنون:5-6.
(3)
نظام الرق في
الإسلام: ص: 9.
(4) صفحات من
تاريخ مكّة، سنوك هو رخونية، وترجمة د. على الشيوخ، طبع دارة الملك عبد العزيز:
(1419هـ:2/323، 326، 330)







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق