الجمعة، 31 أغسطس 2018

(5)التعليم:ثالثا: المساواة بين الرجل والمرأة: الباب الثالث: الإسلام والمرأة


الباب الثالث: الإسلام والمرأة
ثالثا: المساواة بين الرجل والمرأة: 
(5)التعليم:
 يحاول الكثيرون ممن ورثوا العداء للإسلام، جيلا إثر جيل، الذين طمس الحقد على قلوبهم، فلم تعد تميز بين الخبيث والطيب، وأرخى الغل والكيد سدوله على أعينهم، فلم تعد تبصر النور من الظلام، يحاول هؤلاء جميعا بعد أن استلوا حقدهم وكيدهم وغلهم للإسلام، يحاولوا كذبا وافتراءا أن يصموا الإسلام بما ليس فيه، سيرا في الدرب الذي سلكه أجدادهم من قبلهم، لتشوية صورة الإسلام المفترى عليه بالأمس واليوم، يحاول هؤلاء ومنْ على شاكلتهم النيل من عظمة وروعة ذلك الدين الحنيف، فيرددون:
أن الإسلام لم يوجه أية عناية بتعليم المرأة، وأنه حرمها من حقها في التعليم، وقصر دعواه إلى التعليم على الرجال فقط دون النساء، هذا بخلاف بعض أدعياء العلم من المسلمين، الذين دفعهم التعصب الأعمى إلى محاربة تعليم المرأة، واعتبروا ذلك ورعا وتقوى وشدة إيمان.
وفي واقع الأمر فكلا الزعمين لا يقوم على سند حقيقي أو شرعي، فالإسلام بريء من كلا الزعمين براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فكما أن المرأة لم تعرف الكثير من الحقوق إلا على يد الإسلام، فهي كذلك لم يُفرض لها نصيب من التعليم إلا على يد الإسلام أيضا، بل إن الإسلام قد جعل ثواب تعليمها يعدل النجاة من النار، وكل ذلك لكي يشجع الآباء على تعليم بناتهم.
وربما يكون ذلك الزعم الباطل، بأن الإسلام لم يشجع على تعليم المرأة، يعود على استناد بعض جهلة المستشرقين على الفترة التي بُعدت فيها الدولة الإسلامية عن مناهل شرعها الحنيف ومناهل دينها الكريم، إلى أن وصل بها الأمر إلى تقسيمها إلى دويلات خضعت للاستعمار، الذي حارب تعليم الرجال والنساء إلى السواء، إلى أن وصلت الأمية في أغلب بلدان الدولة الإسلامية المنهارة إلى ما يربو على التسعين بالمائة.
والآن تعالين بنا نرى بعض الأدلة التي يتضح منها أن الإسلام قد جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ينبغي على كل منهما السعي إليه، والوصول إلى أفضل الدرجات فيه، فلتسمعن وليسمع هؤلاء الأفاقون إلى:
- ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يخص النساء بأيام يعلمهن فيها مما علمه الله، وذلك لما جاءته امرأة، وقالت: ( يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتي فتعلمنا مما علمك الله، فقال – صلى الله عليه وسلم -:
(( اجتمعن في يوم كذا وكذا في موضع كذا )) فاجتمعن فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فعلمهن مما علمه الله.)
- وليسمع هؤلاء الشراذم الضالة: لما رواه الترمذي و أبو داود من أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( منْ كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فأدبهن وأحسن إليهن، وزوجهن فله الجنة )
وقوله – صلى الله عليه وسلم –
( وأيما رجل كانت عنده وليدة – جارية – فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله الجنة )
فهذا الحديث لا يدعو إلى تعليم الحرائر فقط، وإنما يدعو إلى تعليم الجواري والإيماء أيضا.
- ولتسمعن إلى: قول أم هشام بنت حارثة بن النعمان حيث تقول:
ما أخذت قاف والقرآن المجيد إلا من لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الجمعة يقرأ بها على المنبر كل جمعة.
- لقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروعَ مثلٍ في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في حقِّ التعلُّم والثقافة، وفي حرْصه على تعليم المرأة وتثقيفها بما فعَله مع زوجه حفصة أم المؤمنين؛ فقد روى البلاذري في كتابه "فتوح البلدان" أن الشفاء العدوية - وهي سيدة من بني عدي رهط عمر بن الخطاب - كانت كاتبة في الجاهلية، وكانت تُعلِّم الفتيات، وأن حفصة بنت عمر أخذت عنها القراءة والكتابة قبل زواجها بالرسول عليه الصلاة والسلام.
ولما تزوَّجها عليه الصلاة والسلام طلب إلى الشفاء العدوية أن تُتابِع تثقيفَها، وأن تُعلِّمها تحسينَ الخط وتزيينه، كما علَّمتها أصلَ الكتابة.
- روى الواقدي أن عائشة وأم سلمة زوجتَي الرسول - عليه الصلاة والسلام - تعلَّمتا القراءة والكتابة، وأنهما كانتا تقرأان ولكنهما لم تُجيدا الكتابة، وتَدُلُّ الشواهد الكثيرة على أن أبواب التعلم والثقافة بمختلف صُنوفها كانت مُفتَّحة على مصاريعها للبنت العربية منذ عصر بني أمية، وأنه قد نبَغ بفضل ذلك عددٌ كبير من النساء العربيات، وبَرزن في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة وشتى أنواع المعارف والفنون.
- ولتسمعن لما أخرجه الحاكم حيث قال: إن رجلا من الأنصار خرجت به نملة، فدُل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة، فجاءها فسألها أن ترقية، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت – فذهب الأنصاري إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا الرسول – صلى الله عليه وسلم – الشفاء فقال:
(( أعرض عليَّ، فعرضتها – فقال – صلى الله عليه وسلم – أرقيه، وعلميها حفصة – زوجته – كما علمتيها الكتاب ) وفي رواية أخرى الكتابة.
أبعد هذا يُقال أن الإسلام لم يشجع على تعليم المرأة، ولمزيد من الإيضاح نسوق بعض أسماء العالمات المتعلمات اللائي بلغن شأنا عظيما في مختلف فروع المعرفة، بل وتتلمذ على أيديهن علماء من الرجال:
(أ) أم المؤمنين/ عائشة بنت الصديق:
- فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( كُمل من الرجال كثير، ولم يكتمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) (1)
- وقال عروة بن الزبير: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحد قط أعلم بآية نزلت ولا بفريضة ولا بسنة ولا بشعر ولا أروى له ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا ولا بقضاء ولا طب منها – فقلت لها: يا خالة الطب من أين علمته ؟!
فقالت: كنت أمرض فيُنعت ليَّ الشيء، ويمرض المريض فيُنعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه) (2)
 - وقال الزهدي – رحمه الله – لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل (3)
(ب) دهماء بنت يحي بن المرتضى:
شرحت كتاب الأزهار من فقه أهل البيت في أربع مجلدات، ولها شروح على منظومة الكوفي في الفقه والفرائض، وشرح لمختصر المنتهى.
 (ج) زينب الشهارية:
قرأت في النحو والمنطق والأصول والنجوم وبرعت في الآداب ولها العديد من الأشعار القوية المعاني المتينة المباني.
(د) عليه بنت المهدي:
كانت من أحسن النساء وأظرفهن، وأعقلهن، تقول الشعر الجيد، وتصوغ فيه الألحان الحسنة، قال الحصري: كانت عليه تعدل بكثير من أفاضل الرجال في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع، ولها ديوان شعر معروف بين الأدباء.
(هـ ) الشفاء بنت عبد الله:
كانت كاتبة ولديها مهارة في الخط وتزيينه، وعلى يدها تعلمت الكثيرات من أمثال أم المؤمنين/ حفصة بنت عمر بن الخطاب، كما كانت تعالج بالرقية.
هذا بخلاف:
الطبيبات أمثال: زينب طبيبة بني أزد، وأم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنجالي.
والكاتبات الشاعرات أمثال: عائشة بنت أحمد بن قادم، وولادة بنت الخليفة المستكفي بالله.
والمحدثات أمثال: نُسيبة بنت كعب، وكريمة المروزية، ونفيسة بنت محمد... الخ.
ويكفينا أن نعلم ما قاله الحافظ بن عساكر حيث قال:
أن عدد شيوخه وأساتذته من النساء كان بضعا وثمانين أستاذة، وأن الإمام البخاري والشافعي وابن خلكان وابن حيان وجميعهم من الفقهاء والعلماء والأدباء المشهورين كانت النساء ضمن الأساتذة الذين أخذوا على أيديهم العلم، أبعد هذا يُقال أن الإسلام لم يُشجع على تعليم المرأة؟!!!
كما ذكر "ابن خلكان" أن السيدة نفيسة(4) كان لها بمصر مجلس عِلم حضَره الإمام الشافعي نفسه، وسمِع عليها فيه الحديث.
وعَدَّ "أبو حيان" بين أساتذته ثلاثة من النساء، هن: مؤنسة الأيوبية بنت المَلِك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي، وشامية التيمية، وزينب بنت المؤرِّخ الرحَّالة "عبد اللطيف البغدادي" صاحب كتاب "الإفادة والاعتبار".و
يُنبئنا التاريخُ الإسلامي أن فرص التعلم والثقافة كانت متاحة للجواري أنفسهن في أوسع نِطاق في مختلف العصور الإسلامية، وأن هذه الفرص قد آتت ثمراتها الطيبة، فأنشأت آلافًا من الجواري المبرزات في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب وشتى أنواع المعارف والفنون، وكتب التاريخ والأدب العربي مملوءة بأخبار هؤلاء الجواري وما بلَغْنَه من شأوٍ بعيد في ميادين العلوم والآداب، وما كان لهن من فضلٍ في النهوض بالثقافة العربية والإسلامية.
بل إن هذه الآثار لتدل على أنه قد نبغ من الجواري معلِّمات فضليات تخرَّج على أيديهن كثيرٌ من أعلام الإسلام، فمن ذلك ما رواه المقري في كتابه "نفح الطيب"، أنه كان لابن المطرف اللغوي جارية أخذت عن مولاها النحو واللغة، ولكنها فاقته في ذلك، وبرعت في العروض على الأخص، ومن ثَمَّ سميت بالعروضية، وأنها كانت تحفظ عن ظهر قلب كتابي "الكامل"؛ للمبرد، و"الأمالي" لأبي علي القالي، وتشرحهما، وعليها درَس كثير من العلماء هذين الكتابين، وعنها أخذوا العَروض.
وذكر ابن خلكان أن "شهدة" الكاتبة - وكانت جارية في الأصل - كان لا يُشَق لها غبار في العلم والأدب والخط الجيد الجميل، وأنه قد سَمِع عليها وأخذ عنها خلْقٌ كثير، ومن هذا يظهر أن الإسلام قد هيَّأ للنساء على العموم فرصًا للتربية الراقية، مَن انتهزها منهنَّ بلغت أعلى المراتب التي قُدِّر للرجال بلوغها، فلم يكن السبب في الجهل الذي كان فاشيًا بين النساء المسلمات في الجيل الماضي راجعًا إلى النُّظم التربويَّة في الإسلام؛ وإنما كان السبب في ذلك انحراف المسلمين عما سنَّه الإسلام من نُظُم في شؤون التربية والتعليم.
وإذا كانت الأمم الإسلامية قد اتَّجهتْ في العصر الحاضر إلى تربية البنت وتثقيفها، فإنها بذلك لم تأتِ بدعًا من العمل في تاريخها، وإنما أحيت سُنَّةً صالحة سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ بها الخلفاء والأمراء من بعده(5)
المراجع:
(1)           البخاري 5/36، مسلم 15/201 مختصرا، وأحمد 4/ 394 – 409
(2)           ( أبو نعيم 4/ 42 الحاكم 4 /11 مختصرا – الذهبي في السير 2 / 183
(3)           الحاكم 4/11 
(4)    السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وقد ولدت بمكة المكرمة سنة 145هـ، وتوفيت بمصر سنة 208هـ، تزوجت إسحاق بن جعفر الصادق، وكان يُدعى إسحاق المؤتمن، وأنجبت ولدين: القاسم وأم كلثوم.
(5)           حقوق الإنسان في الإسلام (ص: 32 - 34) بتصرف. شبكة الألوكة.

هناك 9 تعليقات:

  1. (5)التعليم:
    يحاول الكثيرون ممن ورثوا العداء للإسلام، جيلا إثر جيل، الذين طمس الحقد على قلوبهم، فلم تعد تميز بين الخبيث والطيب، وأرخى الغل والكيد سدوله على أعينهم، فلم تعد تبصر النور من الظلام، يحاول هؤلاء جميعا بعد أن استلوا حقدهم وكيدهم وغلهم للإسلام، يحاولوا كذبا وافتراءا أن يصموا الإسلام بما ليس فيه، سيرا في الدرب الذي سلكه أجدادهم من قبلهم، لتشوية صورة الإسلام المفترى عليه بالأمس واليوم، يحاول هؤلاء ومنْ على شاكلتهم النيل من عظمة وروعة ذلك الدين الحنيف، فيرددون:
    أن الإسلام لم يوجه أية عناية بتعليم المرأة، وأنه حرمها من حقها في التعليم، وقصر دعواه إلى التعليم على الرجال فقط دون النساء، هذا بخلاف بعض أدعياء العلم من المسلمين، الذين دفعهم التعصب الأعمى إلى محاربة تعليم المرأة، واعتبروا ذلك ورعا وتقوى وشدة إيمان.
    وفي واقع الأمر فكلا الزعمين لا يقوم على سند حقيقي أو شرعي، فالإسلام بريء من كلا الزعمين براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فكما أن المرأة لم تعرف الكثير من الحقوق إلا على يد الإسلام، فهي كذلك لم يُفرض لها نصيب من التعليم إلا على يد الإسلام أيضا، بل إن الإسلام قد جعل ثواب تعليمها يعدل النجاة من النار، وكل ذلك لكي يشجع الآباء على تعليم بناتهم.
    وربما يكون ذلك الزعم الباطل، بأن الإسلام لم يشجع على تعليم المرأة، يعود على استناد بعض جهلة المستشرقين على الفترة التي بُعدت فيها الدولة الإسلامية عن مناهل شرعها الحنيف ومناهل دينها الكريم، إلى أن وصل بها الأمر إلى تقسيمها إلى دويلات خضعت للاستعمار، الذي حارب تعليم الرجال والنساء إلى السواء، إلى أن وصلت الأمية في أغلب بلدان الدولة الإسلامية المنهارة إلى ما يربو على التسعين بالمائة.

    ردحذف
  2. (أ) أم المؤمنين/ عائشة بنت الصديق:
    - فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( كُمل من الرجال كثير، ولم يكتمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) (1)
    - وقال عروة بن الزبير: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحد قط أعلم بآية نزلت ولا بفريضة ولا بسنة ولا بشعر ولا أروى له ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا ولا بقضاء ولا طب منها – فقلت لها: يا خالة الطب من أين علمته ؟!
    فقالت: كنت أمرض فيُنعت ليَّ الشيء، ويمرض المريض فيُنعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه) (2)
    - وقال الزهدي – رحمه الله – لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل (3)

    ردحذف
  3. (هـ ) الشفاء بنت عبد الله:
    كانت كاتبة ولديها مهارة في الخط وتزيينه، وعلى يدها تعلمت الكثيرات من أمثال أم المؤمنين/ حفصة بنت عمر بن الخطاب، كما كانت تعالج بالرقية.

    ردحذف
  4. ويكفينا أن نعلم ما قاله الحافظ بن عساكر حيث قال:
    أن عدد شيوخه وأساتذته من النساء كان بضعا وثمانين أستاذة، وأن الإمام البخاري والشافعي وابن خلكان وابن حيان وجميعهم من الفقهاء والعلماء والأدباء المشهورين كانت النساء ضمن الأساتذة الذين أخذوا على أيديهم العلم، أبعد هذا يُقال أن الإسلام لم يُشجع على تعليم المرأة؟!!!
    كما ذكر "ابن خلكان" أن السيدة نفيسة(4) كان لها بمصر مجلس عِلم حضَره الإمام الشافعي نفسه، وسمِع عليها فيه الحديث.
    وعَدَّ "أبو حيان" بين أساتذته ثلاثة من النساء، هن: مؤنسة الأيوبية بنت المَلِك العادل أخي صلاح الدين الأيوبي، وشامية التيمية، وزينب بنت المؤرِّخ الرحَّالة "عبد اللطيف البغدادي" صاحب كتاب "الإفادة والاعتبار".و
    يُنبئنا التاريخُ الإسلامي أن فرص التعلم والثقافة كانت متاحة للجواري أنفسهن في أوسع نِطاق في مختلف العصور الإسلامية، وأن هذه الفرص قد آتت ثمراتها الطيبة، فأنشأت آلافًا من الجواري المبرزات في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة والأدب وشتى أنواع المعارف والفنون، وكتب التاريخ والأدب العربي مملوءة بأخبار هؤلاء الجواري وما بلَغْنَه من شأوٍ بعيد في ميادين العلوم والآداب، وما كان لهن من فضلٍ في النهوض بالثقافة العربية والإسلامية.
    بل إن هذه الآثار لتدل على أنه قد نبغ من الجواري معلِّمات فضليات تخرَّج على أيديهن كثيرٌ من أعلام الإسلام، فمن ذلك ما رواه المقري في كتابه "نفح الطيب"، أنه كان لابن المطرف اللغوي جارية أخذت عن مولاها النحو واللغة، ولكنها فاقته في ذلك، وبرعت في العروض على الأخص، ومن ثَمَّ سميت بالعروضية، وأنها كانت تحفظ عن ظهر قلب كتابي "الكامل"؛ للمبرد، و"الأمالي" لأبي علي القالي، وتشرحهما، وعليها درَس كثير من العلماء هذين الكتابين، وعنها أخذوا العَروض.
    وذكر ابن خلكان أن "شهدة" الكاتبة - وكانت جارية في الأصل - كان لا يُشَق لها غبار في العلم والأدب والخط الجيد الجميل، وأنه قد سَمِع عليها وأخذ عنها خلْقٌ كثير، ومن هذا يظهر أن الإسلام قد هيَّأ للنساء على العموم فرصًا للتربية الراقية، مَن انتهزها منهنَّ بلغت أعلى المراتب التي قُدِّر للرجال بلوغها، فلم يكن السبب في الجهل الذي كان فاشيًا بين النساء المسلمات في الجيل الماضي راجعًا إلى النُّظم التربويَّة في الإسلام؛ وإنما كان السبب في ذلك انحراف المسلمين عما سنَّه الإسلام من نُظُم في شؤون التربية والتعليم.
    وإذا كانت الأمم الإسلامية قد اتَّجهتْ في العصر الحاضر إلى تربية البنت وتثقيفها، فإنها بذلك لم تأتِ بدعًا من العمل في تاريخها، وإنما أحيت سُنَّةً صالحة سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ بها الخلفاء والأمراء من بعده(5)

    ردحذف
  5. - وليسمع هؤلاء الشراذم الضالة: لما رواه الترمذي و أبو داود من أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( منْ كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فأدبهن وأحسن إليهن، وزوجهن فله الجنة )

    ردحذف
  6. - روى الواقدي أن عائشة وأم سلمة زوجتَي الرسول - عليه الصلاة والسلام - تعلَّمتا القراءة والكتابة، وأنهما كانتا تقرأان ولكنهما لم تُجيدا الكتابة، وتَدُلُّ الشواهد الكثيرة على أن أبواب التعلم والثقافة بمختلف صُنوفها كانت مُفتَّحة على مصاريعها للبنت العربية منذ عصر بني أمية، وأنه قد نبَغ بفضل ذلك عددٌ كبير من النساء العربيات، وبَرزن في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة وشتى أنواع المعارف والفنون.

    ردحذف
  7. والآن تعالين بنا نرى بعض الأدلة التي يتضح منها أن الإسلام قد جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ينبغي على كل منهما السعي إليه، والوصول إلى أفضل الدرجات فيه، فلتسمعن وليسمع هؤلاء الأفاقون إلى:
    - ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يخص النساء بأيام يعلمهن فيها مما علمه الله، وذلك لما جاءته امرأة، وقالت: ( يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتي فتعلمنا مما علمك الله، فقال – صلى الله عليه وسلم -:
    (( اجتمعن في يوم كذا وكذا في موضع كذا )) فاجتمعن فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فعلمهن مما علمه الله.)
    - وليسمع هؤلاء الشراذم الضالة: لما رواه الترمذي و أبو داود من أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( منْ كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فأدبهن وأحسن إليهن، وزوجهن فله الجنة )
    وقوله – صلى الله عليه وسلم –
    ( وأيما رجل كانت عنده وليدة – جارية – فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله الجنة )
    فهذا الحديث لا يدعو إلى تعليم الحرائر فقط، وإنما يدعو إلى تعليم الجواري والإيماء أيضا.
    - ولتسمعن إلى: قول أم هشام بنت حارثة بن النعمان حيث تقول:
    ما أخذت قاف والقرآن المجيد إلا من لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الجمعة يقرأ بها على المنبر كل جمعة.
    - لقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروعَ مثلٍ في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في حقِّ التعلُّم والثقافة، وفي حرْصه على تعليم المرأة وتثقيفها بما فعَله مع زوجه حفصة أم المؤمنين؛ فقد روى البلاذري في كتابه "فتوح البلدان" أن الشفاء العدوية - وهي سيدة من بني عدي رهط عمر بن الخطاب - كانت كاتبة في الجاهلية، وكانت تُعلِّم الفتيات، وأن حفصة بنت عمر أخذت عنها القراءة والكتابة قبل زواجها بالرسول عليه الصلاة والسلام.
    ولما تزوَّجها عليه الصلاة والسلام طلب إلى الشفاء العدوية أن تُتابِع تثقيفَها، وأن تُعلِّمها تحسينَ الخط وتزيينه، كما علَّمتها أصلَ الكتابة.
    - روى الواقدي أن عائشة وأم سلمة زوجتَي الرسول - عليه الصلاة والسلام - تعلَّمتا القراءة والكتابة، وأنهما كانتا تقرأان ولكنهما لم تُجيدا الكتابة، وتَدُلُّ الشواهد الكثيرة على أن أبواب التعلم والثقافة بمختلف صُنوفها كانت مُفتَّحة على مصاريعها للبنت العربية منذ عصر بني أمية، وأنه قد نبَغ بفضل ذلك عددٌ كبير من النساء العربيات، وبَرزن في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة وشتى أنواع المعارف والفنون.
    - ولتسمعن لما أخرجه الحاكم حيث قال: إن رجلا من الأنصار خرجت به نملة، فدُل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة، فجاءها فسألها أن ترقية، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت – فذهب الأنصاري إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا الرسول – صلى الله عليه وسلم – الشفاء فقال:
    (( أعرض عليَّ، فعرضتها – فقال – صلى الله عليه وسلم – أرقيه، وعلميها حفصة – زوجته – كما علمتيها الكتاب ) وفي رواية أخرى الكتابة.

    ردحذف
  8. أبعد هذا يُقال أن الإسلام لم يشجع على تعليم المرأة، ولمزيد من الإيضاح نسوق بعض أسماء العالمات المتعلمات اللائي بلغن شأنا عظيما في مختلف فروع المعرفة، بل وتتلمذ على أيديهن علماء من الرجال:
    (أ) أم المؤمنين/ عائشة بنت الصديق:
    - فعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( كُمل من الرجال كثير، ولم يكتمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) (1)
    - وقال عروة بن الزبير: لقد صحبت عائشة، فما رأيت أحد قط أعلم بآية نزلت ولا بفريضة ولا بسنة ولا بشعر ولا أروى له ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب ولا بكذا ولا بقضاء ولا طب منها – فقلت لها: يا خالة الطب من أين علمته ؟!
    فقالت: كنت أمرض فيُنعت ليَّ الشيء، ويمرض المريض فيُنعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه) (2)
    - وقال الزهدي – رحمه الله – لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل (3)
    (ب) دهماء بنت يحي بن المرتضى:
    شرحت كتاب الأزهار من فقه أهل البيت في أربع مجلدات، ولها شروح على منظومة الكوفي في الفقه والفرائض، وشرح لمختصر المنتهى.
    (ج) زينب الشهارية:
    قرأت في النحو والمنطق والأصول والنجوم وبرعت في الآداب ولها العديد من الأشعار القوية المعاني المتينة المباني.
    (د) عليه بنت المهدي:
    كانت من أحسن النساء وأظرفهن، وأعقلهن، تقول الشعر الجيد، وتصوغ فيه الألحان الحسنة، قال الحصري: كانت عليه تعدل بكثير من أفاضل الرجال في فضل العقل وحسن المقال، ولها شعر رائق وغناء رائع، ولها ديوان شعر معروف بين الأدباء.
    (هـ ) الشفاء بنت عبد الله:
    كانت كاتبة ولديها مهارة في الخط وتزيينه، وعلى يدها تعلمت الكثيرات من أمثال أم المؤمنين/ حفصة بنت عمر بن الخطاب، كما كانت تعالج بالرقية.
    هذا بخلاف:
    الطبيبات أمثال: زينب طبيبة بني أزد، وأم الحسن بنت القاضي أبي جعفر الطنجالي.
    والكاتبات الشاعرات أمثال: عائشة بنت أحمد بن قادم، وولادة بنت الخليفة المستكفي بالله.
    والمحدثات أمثال: نُسيبة بنت كعب، وكريمة المروزية، ونفيسة بنت محمد... الخ.

    ردحذف
  9. ثالثا: المساواة بين الرجل والمرأة:
    (5)التعليم:
    يحاول الكثيرون ممن ورثوا العداء للإسلام، جيلا إثر جيل، الذين طمس الحقد على قلوبهم، فلم تعد تميز بين الخبيث والطيب، وأرخى الغل والكيد سدوله على أعينهم، فلم تعد تبصر النور من الظلام، يحاول هؤلاء جميعا بعد أن استلوا حقدهم وكيدهم وغلهم للإسلام، يحاولوا كذبا وافتراءا أن يصموا الإسلام بما ليس فيه، سيرا في الدرب الذي سلكه أجدادهم من قبلهم، لتشوية صورة الإسلام المفترى عليه بالأمس واليوم، يحاول هؤلاء ومنْ على شاكلتهم النيل من عظمة وروعة ذلك الدين الحنيف، فيرددون:
    أن الإسلام لم يوجه أية عناية بتعليم المرأة، وأنه حرمها من حقها في التعليم، وقصر دعواه إلى التعليم على الرجال فقط دون النساء، هذا بخلاف بعض أدعياء العلم من المسلمين، الذين دفعهم التعصب الأعمى إلى محاربة تعليم المرأة، واعتبروا ذلك ورعا وتقوى وشدة إيمان.
    وفي واقع الأمر فكلا الزعمين لا يقوم على سند حقيقي أو شرعي، فالإسلام بريء من كلا الزعمين براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فكما أن المرأة لم تعرف الكثير من الحقوق إلا على يد الإسلام، فهي كذلك لم يُفرض لها نصيب من التعليم إلا على يد الإسلام أيضا، بل إن الإسلام قد جعل ثواب تعليمها يعدل النجاة من النار، وكل ذلك لكي يشجع الآباء على تعليم بناتهم.
    وربما يكون ذلك الزعم الباطل، بأن الإسلام لم يشجع على تعليم المرأة، يعود على استناد بعض جهلة المستشرقين على الفترة التي بُعدت فيها الدولة الإسلامية عن مناهل شرعها الحنيف ومناهل دينها الكريم، إلى أن وصل بها الأمر إلى تقسيمها إلى دويلات خضعت للاستعمار، الذي حارب تعليم الرجال والنساء إلى السواء، إلى أن وصلت الأمية في أغلب بلدان الدولة الإسلامية المنهارة إلى ما يربو على التسعين بالمائة.

    ردحذف