الباب الثالث: الإسلام والمرأة:
ثالثا: المساواة بين الرجل
والمرأة:
(6) حق المرأة في العمل:
من بين الأمور التي خاض فيها الحاقدون، وتعرض لها الأفاقون، وربما
سايرها بعض جهلة المسلمين: أن الإسلام وقف حائلا بين المرأة وبين العمل، وحصرها في
المنزل لا تغادره، إلا في اليوم الذي سوف يوارى عليها التراب فيه.
وهذا أيضا محض ادعاء وافتراء كاذب، ينم عن حقد دفين استقر في القلوب
والضمائر نحو هذا الشرع الحنيف، الذي لم يدع شيء من أمور الدنيا والآخرة، إلا وأتي
بخبر منه وعنه، وتفصيل له، ولن نحاول هنا بيان ما يصلح للمرأة من أعمال، فهذا ما
سنتناوله في موضوع آخر عند ردنا على جملة الافتراءات التي يحاول الحاقدون إلصاقها
بالإسلام.
ولكننا هنا نتكلم عن حق المرأة في العمل كمبدأ عام، كحق شرعي لها حدده
الكتاب والسنة، وليس حق مكتسب مازالت المرأة تبحث عنه في أشد المجتمعات، التي تدعي
لنفسها المدنية والتقدم، فبينما هي لا زالت تبحث وتلهث وراء ذلك الحق، نجد الإسلام
قد وفره للمرأة المسلمة منذ بزوغ فجر الإسلام، مع غيره من الحقوق التي تكفل لها
قيمتها الإنسانية، وقيمتها الاقتصادية والاجتماعية، فتعالين الآن نستمع لتلك
الآيات من القرآن الكريم:
· قال تعالى: ( وَلَا
تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ
مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(1)
· وقال جل شأنه (إِنَّ
الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (2)
· وقال جل وعلا:
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا
مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ
عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)
(3)
لقد جاءَ الإسلامُ بأحكامِهِ لرعايةِ الإنسان، ومِنْ تلكَ الرعاية،
ضمانةُ الحاجاتِ الأساسيةِ لكلِ فردٍ ذكرٍ كان أو أنثى مِنْ: مَأْكلٍ ومَسكَنٍ
ومَلبسٍ وتوفيرِ ما يحتاجُهُ لقضاءِ مَصالِحِهِ البعيدة، وذلكَ بالعملِ.
إذ قرَّرَ الإسلامُ، أنَّ العملَ بكلِ أنواعِهِ المشروعة، هو السببُ
الأولُ والطريقةُ الأصلية، لوُصولِ الإنسان إلى تمّلكِ المالِ, قال تعالى: "
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا
مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (4)
وقولُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - (( عَنِ
الْمِقْدَامِ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ
مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ
يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ )) (5)
وقدْ جعلَ اللهُ سبحانهُ وتعالى العملَ لكسبِ المالِ فرضاً على الرجل،
ولم يجعَلْهُ فرضاً على المرأةِ بل مُباحاً لها، إن شاءَتْ عمِلت، وإنْ شاءتْ لم
تعمل. قال تعالى : " لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ " (6) وذو لا
تُطلَقُ إلا على الْمُذكر.
فالعملُ بشكلٍ عامٍ مُباحٌ للمرأة ، والشَّرعُ حينَ نظرَ إلى الأعمالِ
التي يَقومُ بِها الإنسانُ بوصفِهِ إنساناً جعلَها مُباحَةً لكلٍ منَ الرجلِ
والمرأةِ على السواء، دونَ تفريقٍ بينهما، أو تنويعِ أحدِهِما عنِ الآخر.
ثم تعالين نستمع لتلك لأقوال للرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم –
- قال رسول الله – صلى الله
عليه وسلم: ( يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإنكن أكثر أهل النار يوم
القيامة) (7)
- وقوله – صلى الله عليه وسلم
- للنساء لما ذهبت لمبايعته – عليه السلام – فأوصاهن بإعطاء المسكين قائلا: ( يا
أم بجيد ضعي في يد المسكين ولو ظلفا محرقا )
- قوله – صلى الله عليه وسلم
– لنسائه أمهات المؤمنين: ( أسرعكن بي لحوقا بيَّ أطولكن يدا) (8)
فمن سياق الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وبخاصة
طلب الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – من النساء ضرورة الصدقة، يتضح لنا جواز
عمل المرأة لكي تحصل على ما يمكنها التصدق به.
هذا وسبق أن أوضحنا عند حديثنا عن الأهلية التامة، أن الإسلام قد أعطى
للمرأة أهلية تامة في كل شيء يتعلق بها، هذا بخلاف ما ثُبت صحته من أن العديد من
النساء كن صاحبات أعمال وتجارة وصناعة في عهده – صلى الله عليه وسلم – ولم يُنكر
عليهن ذلك مثل:
· أم المؤمنين/ زينب بنت جحش
– رضي الله عنها -: كانت تدبغ الجلود، وتخرزها وتبيعها وتتصدق بثمنها على
المساكين، ولذا فازت بأنها صاحبة اليد الطويلة، ولحقت به – صلى الله عليه وسلم –
بعد موته، وأنه – صلى الله عليه وسلم – لم يُنكر عليها ذلك.
- أم المؤمنين/ عائشة بنت الصديق- رضي الله عنهما - كانت تقول: الغزل
في يد المرأة أحسن من الرمح بيد المجاهدين في سبيل الله.
- كما أن منهن منْ برع في مجال الطب والتمريض، فكن يعالجن المريض،
ويداوين الجرحى، ولم يعترض – صلى الله عليه وسلم – على ذلك، بل كان يثن عليهن وعلى
صنيعهن من أمثال: أم سليم وأم عطية ورُفيدة الأنصارية – رضي الله عنهن – وغيرهن
كثيرات، بل من النساء منْ حمل السلاح، وقاتل جنبا إلى جنبه – صلى الله عليه وسلم –
ولم يعترض على ذلك مثل: نُسيبة بنت كعب وغيرها ممن حفلت بهن كُتب السيرة ومن
الأمثلة على ذلك:
- رفيدة الأسلمية: أول طبيبة في الإسلام:
اختارها الرسول - صلي الله عليه وسلم - الصحابية الجليلة كعيبة بنت
سعد الأسلمية المعروفة باسم رفيدة الأسلمية،ورغم قلة المعلومات عن نشأتها،وعن
تاريخ ولادتها ووفاتها،
فإن الثابت أنها صحابية جليلة من بني أسلم اشتهرت رضي الله عنها في
تضميد الجروح، لذا كانت تصحب جيوش المسلمين المقاتلين ضد المشركين، وذلك لكي تعالج
الجرحى. كما تواتر أنه أقيم لها خيمة خاصة وبارزة في مسجد النبي - صلى الله عليه
وسلم -
كمستشفى لعلاج المرضى والمصابين بجروح،لذا تعتبر خيمة رفيدة الأسلمية على
الرغم من بدائيتها أول مستشفى في الإسلام، وإن كان بعض المؤرخين يرى أن المستشفى
المتكامل الذي أقامه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك سنة 88 ه هو أول مستشفى
في الإسلام، أما كونها أول ممرضة في الإسلام فليس في ذلك خلاف، وقد ذاع صيتها بين
معاصريها في فن الجراحة لهذا السبب اختارها الرسول لعلاج سعد بن معاذ عندما أصيب
برمية قوية في معركة الخندق.
وينقل أحمد شوكت في كتابه تاريخ الطب وآدابه وأعلامه أن رفيدة كانت
طبية متميزة، ولذلك اختارها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتقوم بالعمل في خيمة
متنقلة،وقد روى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:
أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق، رماه رجل من قريش في الأكحل (كوع اليد
أو الوريد المتوسط في اليد) فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفيدة أن تقيم
خيمة في المسجد ليعوده من قريب.
قال ابن إسحاق في السيرة:
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جعل ابن معاذ في خيمة لامرأة
من اسلم يقال لها رفيدة في مجلسه. كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من
كانت به ضبعة (جرح أو مرض) من المسلمين.
وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قد قال للقوم حين أصابه
السهم بالخندق ( اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب ).
وهكذا كانت الصحابية رفيدة الأسلمية صاحبة أول مستشفى ميداني وكانت
معروفة بمهارتها في الطب والعقاقير والأدوية وتصنيعها، والجروح وتضميدها والكسور
وتجبيرها.
أما النفقات والمصروفات فقد كانت من مالها الخاص وجهدها الذاتي،لا
تأخذ على ذلك أجراً أو عوضاً، بل كانت تنفق وتبتغي الأجر من الله تعالى.(9)
- ألأميرة المجاهـدة حاكمـة
تطـوان: و حليفـة أسـد البحـار خيـر الديـن بربـروسـا في الجهـاد البحـري، السيدة
الحرة - عائشة بنت الأمير المجاهد علي بن موسى بن راشد بن علي بن سعيد بن عبد
الوهاب بن علال بن السلام بن مشيش «العلمي». من نسب شريف «علمية – إدريسية – حسينية»
ولدت السيدة الحرة في شفشاون سنة 1493
ميلاديا، أي بعد سنة واحدة من سقوط غرناطة، سميت بهذا الاسم تيمنا بعائشة الحرة ،
والدة أبو عبد الله الأحمر آخر ملوك غرناطة الذي كان صديقا لوالدها مؤسس مدينة
شفشاون ، وأمها اسبانية من منطقة قادش اعتنقت الإسلام.
السيدة الحرة هي أميرة بلاد الريف (جبالة
(المغرب)) وملكة تطوان ، وتعتبر أحد أهم نساء المغرب العربي في القرن السادس عشر.
نشأت في بيئة العلم و الجهاد ... تزوجت من
حاكم مدينة تطوان .. ثم حكمـت المدينة بعد وفاة زوجها لمدة 30 عاماً ... و تزوجت
لاحقـاً من سلطان المغـرب أحمـد الوطاسي ...
يقول صاحب كتاب (أسرة بني راشد بشمال المغرب)
: ( تروي لنا الأخبار سواء البرتغالية أو الإسبانية أن هذه السيدة النبيلة كانت
تتوفر على ذكاء نادر و أخلاق سامية هيأتها لتأخذ بيدها السلطة ... و ذلك بسبب
التعليم الذي تلقته من أشهر العلماء و رجال الدين في عصرها.)
لم تنسى هذه السيدة الحرة ثأرها مع عدوها
الإسباني و الملكين الكاثوليكيين اللذان أخرجا المسلمين من الأندلس .. فعملت على
تقوية الجهاد البحري و سارعت للتحالف مع أمير البحار العثمانـي خيـر الدين
بربـروسا .. الذي كان صيته قد طبق الأفاق في بلاد المغـرب لما أنزله من هزائم
مدوية بالقوى الأوربية و على رأسها إسبانيا .. فتقاسمت معه مسرح الجهاد .. لتصبح
هي المشرفة على غرب المتوسط من جهة المغرب .. و يشرف هو على شرقه من جهة الجزائـر
..
سيـرة مضيئـة لواحدة من كثيـر من النسـاء
المسلمـات اللواتي شاركن في صناعة التاريـخ(10)
وخير ما نختم به تلك الكلمات لروز ماري حيث تقول:
روز ماري ( مريم هاو) وهي باحثةٌ وصحفِيةٌ إنكليزية، نشأتْ في عائلةٍ
نصرانيةٍ متدينة ، ولكنَّها مع بُلوغِها مرحلةَ الوعيِ بدأتْ تفقدُ قناعاتِها
الدينيةِ السابقةِ وتتطلعُ إلى دينٍ يمنَحُها الجوابَ المقبول. وفي عام 1977
أعلنتْ إسلامَها.
تقولُ روز ماري : إنَّ الإسلامَ قدْ كرَّمَ المرأةَ وأعطاها حُقوقَها
كإنسانةٍ ، وكامرأةٍ ، وعلى عكسِ ما يَظُنُّ الناسُ مِن أنَّ المرأةَ الغربيةَ
حصلتْ على حقوقِها ... فالمرأةُ الغربيةُ لا تستطيعُ مثلا أنْ تُمارِسَ
إنسانِيَتَها الكاملةَ وحُقوقَها مثلَ المرأةِ المسلمةِ. فقد أصبحَ واجبًا على
المرأةِ في الغربِ أنْ تعملَ خارجَ بيتِها لِكَسْبِ العيش . أمَّا المرأةُ
المسلمةُ فلها حقُّ الاختيار، ومِنْ حقِّها أنْ يقومَ الرجلُ بِكسبِ القوتِ لها
ولبقيةِ أفرادِ الأسرة. فحينَ جعلَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى للرجالِ القوامةَ على
النساءِ كانَ المقصودُ هُنا أنَّ على الرجلِ أنْ يعملَ ليكسبَ قوتَهُ وقوتَ عائلتِهِ
. فالمرأةُ في الإسلامِ لها دورٌ أهمُ وأكبر.. وهو الإنجابُ وتربيةُ الأبناء، ومع
ذلكَ فقدْ أعطى الإسلامُ للمرأةِ الحقَّ في العملِ إذا رغِبتْ هي في ذلك، وإذا
اقتضتْ ظُروفُها ذلك"(11)
أبعد ذلك يمكن القول بأن الإسلام وقف حائلا بين المرأة وبين العمل
والتكسب؟!!!
المراجع:
(1)
النساء – 32
–
(2)
الحديد – 18
–
(3)
آل عمران –
195 –
(4)
سورة الملك –
15 –
(5)
حديث صحيح
رواه البخاري في الصحيح.
(6)
سورة الطلاق –
7 –
(7)
البخاري
2/150 مسلم 7/87
(8)
مسلم 2452
(9)
ابن عبد البر
في الاستيعاب، ابن الأثير أسد الغابة، ابن حجر الإصابة في تميز الصحابة (جزء8ص 135
)، ابن سعد في الطبقات (جزء8ص291 )
(10) كتاب : " مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن
" للإمام أبي حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي ص 216، ابن عسكر في كتابه
«دوحة الناشر» ص 19.
(11) حق المرأة في العمل: شبكة الناقد الإعلامي: منقول عن
المكتب الإعلامي لحزب التحرير.








ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق